OrBinah

(En Arabe) Paradoxes de représentation de l’identité et de l’altérité (l’exemple de certaines communautés juives marocaines)

من مفارقات تَمثّـلات الهوية والغيرية

(مثال بعض جماعات اليهود المغاربة)

كصَدىً لـ"أسبوع الفيلم حول المغاربة اليهود"

الذي انعقد في برلين (08-12 ماي 2016)

تحت شعار "قلبي في المغرب"

 

 

For an English version, click Here   ------------  هـــــــنـــــــا من أجل صيغة أنجليزية

 

 

 

تـــلــخيــــص

إضافة إلى تساؤل جديد أخذ يلوح في أفق الاهتمام السوسيو-سياسي العامّ، ألا وهو التساؤل عن مدى احتمال العودة بشكل من الأشكال (انظر هـــــنـــا؛ بالفرنسية)، يظل السؤال التقليدي الذي يفرض نفسه، ما بين السطور بشأن ماضي وحاضر اليهود المغاربة ما بين الإقامة والهجرة في أغلبية الأشرطة السينمائية التي تم عرضها خلال "أسبوع الفيلم اليهودي-مغربي" (Jewish-Moroccan Film Week. Berlin, May 08-12 2016؛ انظر تقريرا حول ذلك "الأسبوع" هــــــنــــا) هو التساؤل السوسيو-سياسي والسوسيو-ثقافي والإثنو-ثقافي عن دوافع ودواعي الهجرة الدراماتيكية للجماعات اليهودية المغربية الكبرى التي تمت بشكل مفاجئ ما بين الخمسينات ومنتصف السبعينات من القرن العشرين، بعد أن شكلت تلك الجماعات، منذ أقدم العصور، وعبر تناسخ أطر الملل والنحل والنُظـُم والعصبيات السلطانية، لنسبة ديموغرافية ذات اعتبار، بلغت مثلا 3 % من مجمل السكان في بداية الخمسينات من نفس القرن (250.000 في مقابل حوالي 3000 اليوم) وذات حضور أكثر اعتبارا عبر التاريخ في مجالات الاقتصاد، والتجارة، والعلم، والثقافة والفنون، وحتى السياسة في كثير من الحقب التاريخية.

ويتفرع عن ذلك القبيل من التساؤلات العامة عدة أسئلة فرعية باعتبار زوايا نظر طرح الأسئلة. ومن بين تلك التساؤلات الفرعية، انطلاقا من زاوية نظر معينة، التساؤلُ مثلا عن مصدر المضامين والقيم التي على أساسها تتمثل تلك الجماعات نفسها في محيطها الاجتماعي والمؤسسي العام وتتمثل غيرها من مكونات ذلك المحيط الذي شكل أرض وطنها لما يربو عن ألفيتين من السنين، بشكل يحدد في النهاية فحوى ذاكرتها ومنظار تَـبَـيُّــنها لقسمات الحاضر ولملامح أفاق المستقبل (حول آليات تشكيل القيم الأيديولوجية للذاكرة، انظر هــــــنــــا؛ بالفرنسية). إنها مسألة آليات تَمثّـُـل الهوية والغيرية، كما يفترض، من خلال استقراء الأدبيات، أنها كانت ثاوية، عبر مضامين أدبيات التربية المليّـة ثم التربية الأيديو-سياسية، في متخيّل جماعات المغاربة اليهود خاصة، ويهود شمال إفريقيا عامة؛ وذلك ما يشكل محور بقية النص الحالي.

 

تـــقديــــــم

غالبا ما يكون لمعطيات الواقع في الإدراك الذهني لتلك المعطيات مجرد وضعية عوارض غير ذات معنى من حيث ما هي عليه موصوعيا في حد ّ ذاتها. ويصدق ذلك أكثر على تلك المعطيات حينما يتعلق الأمر بتمثل الهوية، سواء على المستوى الفردي أم على المستوى الجمعي، ذلك التمثل الذي يخضع بشكل دائم لعملية بناء وإعادة بناء بحكم جدليته مع تمثُّـل الغيرية.

وفي هذه الحالة، حالة تمثل الهوية/الغيرية، يظل ما يضفي معنى معينا على عناصر أيّ تجربة معيشة هو بالأحرى منظار النظام الأيديولوجي العام كما يُصمّـم عدساتِه ومراياه نظامُ التربية والإعلام بمختلف وسائله وتطورها في المجتمع المعين. إنه نظام إدراكي يقوم فيه تحديد الماهيات بناء على المخالفة؛ وذلك من حيث إن العناصر المؤثـثة للتصور العام، من قبيل "الأنا/الغير"، "النحنُ/الأغيار" عناصر لا تحيل على ماهيات واقعية ذات وجود موضوعي موجب، مادية كانت تلك العناصر أم معنوية؛ وإنما تكون عبارة عن ماهيات مجردة يجرّدها الذهن تجريدا مطلقا بناء على ما استوعب من مضامين التربية والإعلام، فيسقطها إسقاطا على المتغيرات الواقعية من معطيات اللحظة التاريخية المعيّـنـة.

ومن أجل إعطاء هذه التعميمات مضامين ملموسة، في سياق الحديث عن "أسبوع الفيلم اليهودي-المغربي" ببرلين، المشار إليه أعلاه، يتعين الوقوف لحظة عند بعض التفاصيل باعتبارها مجرد عيّنة، لكنها عينية دالّة. من ذلك، وهذا مجرد مثال لما تكرر في كثير من الأشرطة التي تم عرضها، ما ورد في الفيلم الوثائقي "Come Mother" للمخرج سامي شيطريت من حديث عن جيران جماعة يهود بلدة  "كًـرامة" في قلب الأطلس المتوسط بتسمية أولئك الجيران المسلمين بـتسمية ערבים ("Arabs" في الدبلجة الكتابية بالإنجليزية، أي: "عَــرَب")، بما تعنيه هذه التسمية الأخيرة أصلا في المعجم من مدلول إثنو-لغوي (كل من هو عربي إثنياَ أو لغةً)، وبما أصبحت تحمله وتحيل عليه، بحكم مفعول التربية والإعلام، كمدلول جديد في السياق الجيو-سياسي والسوسيو-ثقافي الذي أنجز فيه ذلك الشريط الإسرائيلي الذي تتداخل فيه اللغة العبرية بالعربية المغربية على ألسنة المستجوَبين والمستجوَبات من اليهود المغاربة الذين غادروا المغرب جماعاتٍ في الربع الثالث من القرن العشرين وفي الظروف وبالكيفيات التي ما تزال موضوعا لأبحاث وتحقيقات وتحليلات المؤرخين (انظر هــــــنــــا).

إن السؤال الفكري الإشكالي الملموس الذي تطرحه مثل هذه التمثلات هو الآتي: الجماعة التي غادرت بلدتها "كًرامة" إلى الأبد بعد قرون من التوطن فيها هي بالتأكيد جماعة يهودية في وسط جوار مسلم في تلك البلدة. وعلى صعيد الماهيات والهويات الإثنو-لغوية الملموسة، كان ذلك الوسط المسلم يتمثل نفسَه وتتمثله الجماعات الإثنو-لغوية الأخرى كـ"أمازيغ" ("يمازيغن"، "شلوح" أو "بْرابْر" حسب تسميات الوقت لمّا حصلت تلك الهجرة). فما هي، إذن، خلفية ودلالة إعادة تحيين التمثل عن طريق إضفاء صفة ערבים ("عرب") على أولئك الجيران المسلمين في الشريط من طرف جيرانهم اليهود بعد مغادرة هؤلاء لبلدتهم كًرامة وبعد أن أصبحوا مواطنين إسرائيليين، وذلك من خلال شهاداتهم حول "الوقائع" وأطراف "الوقائع" و"علل الوقائع"، وذلك بعد نصف قرن من تلك "الوقائع"؟

قالت إحدى المستجوبات مثلا: [لقد غادرنا المكان ليلا لكي لا نثير شكوك العرب] (تعني الجيران المسلمين ببلدة "كًرامة"!). لقد تكرر هذا القبيل "المنقّح والمحيّن" من قُبـُـل تمثّـل اليهود المغاربة المستجوبين لماهيات وهويات مواطنيهم القدامى في كثير من الاشرطة التي عرضت في أسبوع الفيلم. وذلك بالرغم من أن المقولات الهوياتية ذات الدلالة الواقعية الملموسة في الوسط المعني (وسط كًرامة والأطلس عموما) والتي كانت تحدّد الهويةَ اليهودية بالنسبة للجماعات اليهودية في ذلك المكان/الزمان، على سبيل المخالفة، هي مقولات "اليهود" في مقابل "الكًوييم" (أي "غير اليهود" عامة)، و"المسلمين" والأمازيغ ("البرابر" أو "الشلوح" على صعيد البعد الإثنو-لغوي). أما مقولة "العرب" فلم تكن قط لا في ذلك الوسط ولا في غيره من أوساط المغرب مقولة تقابلية في إطار تمثل الجماعات المغربية اليهودية لهويتها تمثلا بالمخالفة (représentation différentielle).

هذا المنحى الفكري المفارق في باب تمثل الآخر، والذي يتم بمقتضاه اليومَ إضفاءُ وتعميم صفة "عرب" من طرف الإسرائيلي العادي على الجميع في سياق المغرب الحالي وحتى التاريخي، ليس في الحقيقة سوى آخر حلقة من حلقات إعادة تحيين نظام ضارب في القدم من أنظمة تمثل الهوية والغيرية، جدّ متأصل، بمفعول مضامين التربية، في متخيل الجماعات اليهودية المغربية، وذلك لقرون خلت قبل موجة الهجرات الكبر للقرن العشرين (انظر المدلاوي 1995-2012). وفي هذا الصدد، يتمثل باقي هذا النص في إيراد ثلاثة أمثلة دالة من نماذج ذلك النظام الفكري لدى تلك الجماعات.

 

تلاثة نماذج لتمثّـلات الهوية والغيرية لدى المغاربة اليهود

 

(1) أدبيات تقاليد ما يعرف بـ"الشرح"

طورت التقاليد اليهودية المغربية نوعا تربويا يسمى שרח (أي "الشرح" أو "التفسير"؛ انظر المدلاوي 2012). ويتمثل "الشرح" في متون بالعربية المغربية الدارجة المهوّدة (judéo-arabe marocain) تترجم ديوانَ المتون المقدسة وكذلك تفاسيرها القديمة، الموقوفة كمتون مرجعية من الدرجة الثانية، مثل متن الترجوم الآرامي الذي كان في الأصل بدوره عبارة عن شروح وتعاليق باللغة الآرامية على نصوص الكتاب المقدس بعد أن لم يعد عامة اليهود يفقهون العبرية التوراتية واتخاذهم الآرامية لغة للتعامل اليومي. وقد أصبح "الشرح" بالعربية الدارجة من المتون التي تُرتل عند اليهود المغاربة بأنغام الطبوع المغربية كما يفعل المسلمون المغاربة في ختم البخاري مثلا بالعربية الفصحى.

وفي سياق حديث أحد نصوص "الشرح" اليهودي المغربي عن الأزمنة المهدوية (temps messianiques) كما صورها متن الترجوم الذي لم يعد عموم اليهود المغاربة يفهمون لغته الآارامية، تلك الأزمنة التي تتحدث عن سيادة السلم بين الكائنات وبين الشعوب والقبائل التي كانت في ما قبل متناحرة، يقوم ذلك النص بإسقاط تمثلات المعطيات الجغرافية والبشرية للفضاء الجغرافي البشري كما صورتها النصوص التوراتية في زمان ومكان ظهورها (فلسطين والشام بجغرافيتهما وشعوبهما) إسقاطا على واقع مغرب القرن الثامن عشر؛ إذ ورد في ذلك النص مثلا قوله:

[... ويتّلاقاو لجيهة و'حدة دوك اللي ضربوا البْرابْر فالغرب ...]

هذا المسلك يوجد في شريط مصور وناطق يتمثل في توالي عدة صفحات، في كل صفحة فقرة كتابية قصيرة من شرح الترجوم على الكتاب المقدسK وتليها فقرة كتابية مقابلة هي عبارة عن شرح بالعربية المغربية الدارجة المهوّدة على الشرح الآرامي (أي شرح الشرح). ويقوم صوت المرتل بترتيل الشرحين الواحد بعد الآخر على التوالي باللغتين. ويمكن الاطلاع على الشريط قراءة وسمعا عبر النقر على الرابط

الآتي (هــــــنـــــا). أما المقتطف المستشهد به أعلاه والذي يتحدث عن "البْرابْر" في المكان والزمن التوراتيين فيبدأ في الدقيقة-12 من الشريط ويمكن الاستماع إليه حتى بالنسبة لمن لا يقرأ الحرف المربع الذي تكتب به الفقرتان بلونين مختلفين.

بيت القصيد في المقتطف المستشهد به أعلاه هو أنه، وعلى غرار ما هو منهجي في نصوص يهودية مغربية أخرى قديمة بالعربية المغربية المهوّدة من ذلك القبيل (انظر Zafrani 1990 :195)، يتم التعبير بشكل مطرد عمّا يرد في النصوص المقدسة العبرية وفي شروحها الآرامية من تسمية פלשתים ("الفلسطينيون") بتسمية אלבראבר [البْرابْر].

ومعلوم أن تسمية "البْرابْر" هي الاسم التعميمي الذي كان يطلقه سكان الحواضر الكبرى خصوصا، مسلمين ويهود، وإلى عهد قريب على أمازيغ الأطلس المتوسط والكبير الشرقي على الخصوص. وبذلك تكون تلك المتون (متون "الشرح")، باعتبارها مضامين تربوية، توطّن سياق الأمكنة والأزمنة التوراتية توطينا في السياق المغربي، عن طريق إسقاطها للماهيات البشرية لتلك الأزمنة والأمكنة إسقاطا على هذا السياق المغربي، وذلك بكل ما يرتبط في الذهن، من خلال التربية الدينية دائما، بتلك الماهيات البشرية التوراتية (المصريون، الفلسطينيون، الآراميون، الخ.) على مستوى تمثل الجماعات اليهودية المغربية لهويتها بالقياس إلى الغير في السياق المغربي الملموس (أي في النهاية: الفلسطينيون الذين تتحدث عنهم النصوص القديمة هم الأمازيغ المجاورون هنا والآن!).

 

(2) مثال يوميات الربّي ياشواع أبيطبول (صفرو، القرن 18)

في إطار نفس نموذج تمثل الهوية والغيرية لدى جماعات اليهود المغاربة بناء على مضامين مواد بعض مناهجها التربوية العتيقة، لكن في حديثه هذه المرة عن ماهيات ملموسة بعينها في الزمان والمكان المغربيين، أي عن جماعته اليهودية بمدينة صفرو المغربية وعمّن يحيط بتلك الجماعة من عناصر بشرية في عاليتها الجبلية (الأطلس) وفي سافلتها السهلية لجهة سايس في سبعينات القرن الثامن عشر، يقول الربي يشواع أبيطبول في بعض مكتوباته ما يلي حول كان يراه كوضعيةٍ واقعية لبني جماعته في مدينة صفرو المغربية في نهاية السبعينات من القرن الثامن عشر الميلادي، كما كان يتصور ذلك الربي تلك الوضعية من خلال منظاره المخيالي حين قال :

[في هذه المدينــــة، حيث تحاصرنا الجموع التي تنذر بإبادتــنا في أيّ لحظة، لبثنــــا رهن الحصار والنكبة، و آل آرام أمامنا و الفلسطينيون ورائنــا" ]. (90: 1980Bar-Acher.)

 

إن الربي، ياشواع أبيطبول، كان يعني بذلك الجيران المسلمين، من عرب السهل (= الآراميين حسب تمثله)، وأمازيغ الجبال (= الفلسطينيين حسب تصوره) على الترتيب.

وإذ كان قد تمت الإشارة إلى ما كانت تمثله ماهية "الفلسطينين" (פלשתים = Philistins) في مرجعيتها التوراتية المفصلة في الكتاب المقدس، كأحد العناصر الغيرية الأساسية التي تشكلَ تمثُّـلُ الهوية اليهودية بالقياس إليها على سبيل المخالفة (identité différentielle)، فإن العنصر البشري الآرامي الشمالي (ما يسمى اليوم بالشام) لا يقل أهمية في ذلك النظام التمثلي للهوية الذاتية على أساس من المخالفة. فإذا كان "فرعون" المصري وقومه يمثلون منطلقَ بناء وعي العبرانيين بهويتهم الخلافية بالقياس إلى الغير والأغيار، فإن "لابان" الآرامي وقومه يحتلون كذلك مكانة متميزة في ذلك النظام الفرزي بين الذات والآخر. فقد ورد في متن "الهاكادا" التي يتلى متنها في ليلة عيد الفصح ما يلي:

צא ולמד מה בקש לבן הארמי לעשות ליעקב אבינו؛ שפרעו לא גזר אלא על הזכרים, ולבן בקש לעקיר את הכל.

 

ومعنـــــــــاه :

" تقدّم لتعلم ماذا كان يسعى لابان الآرامي ليفعل بأبينا، يعقوب. فبينما لم يقض فرعون [بالإبادة] إلا في حق الذكور، كان لابان قد حاول قطع دابر الجميع"

(مقتطفان من المدلاوي 1995-2012)

 

وهكذا يمكّن هذا النهج الذهني، بفضل الإسقاطات التي تتولـّى إجراءَها مضامينُ التربية والتثقيف والإعلام بجميع أنواعه حسب الحقب، من إعطاء ماهيات المخالفة التاريخية المتقادمة مرجعياتٍ محيّنة جديدة ملموسة من صميم المحيط المعيش، بما يمكّن الهوية الذاتية للجماعة من الوعي بنفسها في تقابلها مع العناصر الواقعية الحية في الظرف الزمكاني المعين (مثلا: أمازيغ الجبال = الفلسطينيين؛ عرب السهل = الأراميين، في المغرب إلى حدود قيام دولة إسرائيل الحالية).

 

(3) مثال بعض أعمال جبرائيل بين سمحون

نفس هذا المنطق (منطق بناء وإعادة بناء الهوية الذاتية على أساس ما ترسخه مضامين التربية والإعلام كعناصر للمخالفة)، نجده كذلك عند الكاتب القصصي المعاصر، جبرائيل الذي قضى طفولته في مدينة صفرو دائما، والذي هو على دراية دقيقة بالمعطيات الجغرافية والبشرية للمغرب بمدنه وبقراه ولغاته ولهجاته وثقافته التي تشكل جميعا أدوات بناءه القصصي. لكن على الرغم من كل تلك الدراية الواسعة الدقيقة، وجد هذا الكاتب نفسه مضطرا، في بناء وتحرير كثير من أعماله، إلى التأقلم مع تمثّلات جمهور قرائه باعتباره كاتبا باللغة العبربة الحديثة، وأغلبيتهم الساحقة قراء إسرائيليون بمن فيهم المنحدرون من المغرب؛ وذلك اعتبارا منه للعناصر الخلافية الجديدة للغيرية العامة الأساسية (أي: "العرب") التي أعادت التربية والإعلام بناء هوية اليهودي في إسرائيل على أساسها.

ففي تصويره الفني لأحد مشاهد يوم مغادرة يهود "أيت بوكًماز" النهائية لموطنهم وموطن أسلافهم بتلك البلدة الأطلسية الأمازيغية، وذلك بشكل يضمن للكاتب تمرير ما وراء الفن القصصي من قيم أخرى غير فنية، ورد في قصته עליתה של סעדה השמימה ("صعود تودا إلى السماء"؛ انظر ترجمة عربية لها هـــــنــــا) ما يلي على سبيل المثال.

[... فهرولت خلفهما حافية القدمين نحو القرية، تلك القرية التي أضحت بكاملها مُوَسّقة على أظهر الحمير. فقط بعض المتأخرين كانوا ما يزالون منهمكين على انتزاع المزّوزات من سواكف الأبواب أو على لفّ لفائف التوراة وربطها بحبال على ظهور الدواب. خرجت من القرية قافلةٌ من الحمير محمّلة بالصبايا وأسفار التوراة فانضمت إلى قوافل أخرى كانت قد غادرت قرى أخرى، ثم اختفت في غمرتها. كان الجيران العــــــــــرب مصطفين على جانبي الطريق، يعانقون مَن هم طريق المنفى، وهم يُكفكفون دموعهم].

(في الترجمة العربية المحال عليها، قمتُ بترجمة تسمية "العرب" بتسمية "المسلمون" نشدانا للتماسك بالنسبة للقارئ بالعربية)

 

من الواضح أن الماهية الغيرية، "العرب"، التي اضطر الكاتب العالِم جيدا بالواقع الإثنو-لغوي لقصصه المغربية  الفضاء أن يستعملها لتمرير خطاب ما وراء الفن القصصي هي ماهية تراعي ما ترسخ لدى قرائه الحاليين في إسرائيل من أن أساس إعادة بناء هوية اليهودي الإسرائيلي منذ عقود هو التقابل الخلافي بين "إسرايل" و"العرب"، وذلك منذ عدة عقود؛ وبذلك عُممت تسمية "العرب" على غير العرب في فضاء بشري أوسع بما في ذلك الأمازيغ، كما أشير إلى ذلك أعلاه في شهادات الأفلام الوثائقية التي عُرضت في "أسبوع الفيلم اليهودي-المغربي ببرلين"، والتي كان بن سمحون من بين من أدلى بشهادته في أحدها.

 

خلاصة ختامية

هكذا يتضح كيف أن الهوية والغيرية مفهومان يتأسسان على تحديد بالمخالفة (définition différentielle) تشكّل فيه إسقاطات الماضي على الحاضر و/أو إسقاطات الحاضر على الماضي (من قبيل اعتبار الكلدانيين والاشوريين والفينيقيين أو حتى الأحباش والإريتيريين... عــربـا مثلا) آليات ذهنية لإعادة البناء وتقوم مضامين التربية والإعلام بتشغيلها. ولا شك، في مقابل ما تم بيانه بالنسبة للمغاربة اليهود، أن للمغاربة المسلمين من جهتهم ما يقابل ذلك القبيل من الإسقاطات على الغير و/أو التماهيات مع ماهيات ماضوية أو راهنة في مسلسل بناء وإعادة بناء الهوية الذاتية بالقياس إلى الغيرية بمقتضى مضامين التربية والإعلام؛ لكن معالجة ذلك تقتضي عملا مستقلا. فعلى سبيل المثال، قال المخرج المغربي حسن بن جلون خلال مناقشة شريطه "فين ماشي يا موشي؟" الذي عرض خلال أسبوع الفيلم المشار إليه، أن من بين الدوافع الشخصية التي دفعت به إلى إنتاج ذلك الشريط ما كان قد عاشه كصدمة في الطفولة. قال أنه لم يسمع قط بكلمة فلسطين في صباه الأول، وأن أول مرة سمع بذلك كانت لما سأل ذات مساء أمه في بداية الستينات من القرن العشرين وهو في بداية سن المراهقة بعد أن فوجئ في الصباح بأن منازل كافة أصدقائه في الحي من اليهود قد أقفلت وأقفرت حيث غادر أهلها المكان جماعة في ظلمة الليل بدون أن يشعره أترابه ويودعوه. سأل أمه أين ذهب القوم، فأجابته بأنه يقال إنهم ذاهبون إلى فلسطين. لم تمض سوى سنوات بعد ذلك حتى أُعلنت القضيةُ الفلسطينية منذ بداية السبعينات قضيةً وطنية في أدبيات وإعلام كثير من الحركات السياسية المؤطرة للمجتمع. ثم دخلت التربية والإعلام الرسمي على الخط، وذلك بشكل مكثف يمكن أن يُتصور معه أن يكون طفل مغربي من هنا أو هناك في سن المراهقة من عمره يجهل كل شيء حتى عن مجرد تسمية "الريصاني" أو "كًلتة زمور" أو "سبتة" أو "تامسنا" أو "زناتة" أو "كًرّامة"؛ لكنه لا يُتصور أن يكون هناك طفل مغربي في ذلك السن لا يتوفر اليوم على خطاطة ذهنيةجاهزة لما تعنيه فلسطين ولما تمثله بالنسبة إلى هويته المغربية كما تمت إعادة بنائها في ما بعد الاستقلال على الأخص.

بعض المراجع

 

- Bar-Acher, Chalom (1980) "Relations judeo-musulmanes dans le Maroc du XVIII siècle; in Les relations entre Juifs et Musulmans en Afrique du Nord XIXe-XXe siècles"; Actes du Colloque International de l'institut de l'Histoire des Pays d'Outre-Mer; Abaye de Sémanque -octobre 19‎78; Editions du C.N.R.S; 1980. Paris; pp : 77-93

- Elmedlaoui, Mohamed (2013) "Les judéo-berbérophones revisités à la lumière du lexique et de la philologie berbère". Etudes et Documents Berbères; Paris. N° 32 / 2013: 165-192

- Elmedlaoui, Mohamed and Sigal Azaryahu (2014). “The Ahwash Berber Singing Ceremony Shift from Morocco to Israel; an Ethno-musicological Approach”. Etudes et Documents Berbères; Paris. N° 33 / 2014. Pp. 171-186.

- Zafrani, Haïm (1990). "Judéo-Berbère au Maroc". Awal. Cahiers d’Etudes Berbères. Numéro spécial : Hommage à Mouloud Mammeri. Pp. 191-202. ERAM. Paris/Awal. Alger.

 

- المدلاوي  1995/2012

"صورة المغرب في بعض المكتوبات العبرانية واليهودية"؛ مقال نشر مرارا، آخرها كان في ص: 243-273 من الكتاب الآتي:

- المدلاوي، محمد (2012) رفع الحجاب عن مغمور الثقافة والآداب؛ مع صياغة لعروضي الأمازيغية والملحون. منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي- الرباط. (جائزة المغرب للكتاب 2012؛ صنف الدراسات اللغوية والأدبية)

 

- בן שמחון, גבריאל (؟؟20) "עליתה של סועדה השמימה" (ספור)

- פילו, אלי (27 באפריל 2016) "שארח על התרגום בלשון ערבי להפטרה יום שמיני של פסח"

A Youtube video document (https://www.youtube.com/watch?v=kOeZKdLueoI) posted on http://www.google.co.ma/ on April 27 2016.

---------------

محمد المدلاوي

http://orbinah.blog4ever.com/m-elmedlaoui-publications-academiques



27/05/2016
0 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 218 autres membres