OrBinah

(EN ARABE) Messaouda aux yeux verts (nouvelle hébraïque de Ben Simhon, traduite en arabe)

"يا مســعودة، يا خـــضرة' العيــنين"

أو قصة:

العـــــــــــــــائــــــــد

("האיש שחזר"، ספור מאת גבריאל בן שמחון: 1997)

 

ترجمها عن العبرية: محمد المدلاوي: 2000

كلية الآداب - وجدة

 

 

كان عيّوش جزارا معروفا في مدينة صفرو. كان رجلا طويل القامة، قوية البنية، خاطف الحركة وناجع الفعل. وكان على الخصوص إنسانا صموتا. ما كان غليون "سّْـبْسي" حشيش "لكيف" يفارق فمه، ولاكان ساطور الجزارة يبارح قبضته. كانت ضرباته دائما متمكنة، صارمة وقاطعة.

          في تلك المدينة التي يعرف فيها الجميع كل شيئ عن الجميع، ما كان أحد، مع ذلك، يدري ماذا كان يدور في خلد عيوش. كانت زوجته متفردة بجمالها، ميّالة إلى الحديث، ولا يفاررق الضحك والبشاشة شفتيها المحمرتين. انحدرت من أسرة محتاجة؛ فكُـنّ ثماني أخوات أغلبُهن غيرُ ذوات جمالٍ وغيرُ موفّـقات في حياتهنّ. كانت إحداهن تأتاءة متلعثمة في كلامها، وكانت الأخرى عرجاءَ كسيحةً، والأخرى قرعاءَ صلعاءَ؛ أما هي، فقد انبثقت إلى الوجود ممشوقة القد والقوام، كأنها غُصن علـَم: عينان خضراوان، وأنف دقيق محتشم، وثغر طلق منزه عن شوائب الإثم، وقد أنوثي أهيفُ رائع.

إنها خضراء العينين "خْضْرتْ لـْعينين" التي أخذت بلـُبّ بشير، نجل الباشا، ذلك الفتى الوسيم، العازف الماهر على آلة العود، والمطرب ذو الصوت الشجيّ. كان يرتاح إلى سكان الملّاح، فانخرط في إحدى فرق الطرب والعزف لديهم. كان يجد متعة كبيرة في أجواء حفلاتهم التي كان يتملى أثناءها، لبعض اللحظات، في مباهج دواخل بيوت اليهود المحجوبة والموصدة عادة في أوجه الغرباء. إنها بيوت تبدو في الواقع، من حيث منظرها الخارجي، بئيسة متداعية. إلّا أن من يراها من الداخل يكتشف بأنه ما كان قد رأى قط نظيرا لقصور الرونق والبهاء؛ ويصدق هذا الأمر خصوصا في أيام الأعراس. فخلال مثل تلك المناسبات، يتم عرض مختلف مظاهر اليُسر والثراء أمام العموم: من آنية الذهب، وقماش المخمل، إلى أصناف الزرابي وألوان الأطعمة والأشربة؛ ثم إن هناك دائما فتياتٍ ونساءً يهودياتٍ جذلاتٍ ممن يُحسنن الغناءَ ويُجدن الرقصَ مع الرجال، ويُـقبـلن على مشاطرتهم المأكل والمشرب. نسوة يتقـنـن فنون الإصابة والإيقاع، من نظرات ولفتات وغمزات، فتتأجج العواطف، ويسري لهيبها في الأثير تحت جناح الظلام، متسربا من وراء الجدران ومن خلال خصاص الأبواب حينما يقضي نصف ساكنة المدينة الليلة سويا إلى جانب خدر العريس وعروسه.

لقد أحب بشير مباهج تلك الأفراح التي وقع طرفُه يوما خلال أحدها على "مسعودة، خْضْرت لـْعينين"، زوجة عيوش، فأخذ منذ ذلك اليوم يتشبب بها ويتغنى أمام نافذة منزلها مرددا لازمته: "ايا مسعودة يا لعين لخصرا". إلى درجة أن المدينة برمتها أخذت تردد تلك الأغنية الغرامية الرائعة التي أصبحت تُردد جهارا في حفلات الأعراس، مما كان يزيد في تعميق جراح العشق المحروم في قرارة ابن الباشا، المتيم المتغزل الذي عدم أسباب الوصال. أما مسعودة، فإنها لم تكن تدري ما عساها أن تفعل بذلك الغرام.

ما كان أحد يدري ماذا كان يتلجلج في صدر عيوش الجزار. وما فتئت سُحب دخان الحشيش تتلبد حوله أكثر فأكثر. وقد تعمق غَورُ صمته وازدادت حدة وسرعة ضربات الساطور في قبضته. وقد زاد من حدة الأمر ما راج من أقاويل حول لحظات وصال سرية بين المتغزل المسلم وابنة اليهود بالرغم من أنه لم يتم التحقق من شيء من ذلك القبيل. لكن، في النهاية، ما عسى أن يكون في مقدرة جزار بسيط أن يقوم به في وجه ابن الباشا؟

 

***

 

"يهودا اللاوي": كان ذلك هو اسم سفينة التهجيرات الأولى للمتسللين من شمال أفريقيا. لقد جاءت بالضبط في الوقت المناسب لوضع حد لهذه القصة المعقدة. إلا أنه بمقدار ما كانت السفينة تبتعد عن الشط، كان صدى نغمات العود يتقوى في مسمع مسعودة: فقد كان الموج يُفضي إلى مسمعها بصوت شجيّ، فدبّت في كيانها حرارة الشوق والحنين إلى صوت بشير. إلا أنها، لمّا استعادت يقظتها فأرجعت البصر كرتين صوب اليمّ، لم تجد أمامها إلا أفقا رصاصيا لا ساحل له. لقد بقي ابن الباشا هناك، من وراء الآفاق البعيدة. أما هي فقد أصبحت الآن رهينة بين اليمّ بمنظره الهائج المكفهر وبين زوجها عيوش. إنها الآن إلى جانبه، إلا أن ناظرها بقي مشدود بأمراس قوية إلى الأفق وهي تُبدي وتعيد، وقد هوت في قرارة صمت رهيب.

 

***

 

بعد أن فتح عيوش مجزرته الجديدة في مدينة الرملة، بقي كعادته يهوي بضربات ساطوره الرهيبة على أطراف الأبقار الإسرائيلية. نفس الحجب من سحب الدخان، ونفس الصمت من جانبه، في مقابل انطوائية قاتلة من جانب مسعودة؛ وذلك كما لو أن جنازة تتوسط الاثنين.إنه ليُخيـّـل كما لو أن ابن الباشا يناشد مسعودة من أجل العودة إلى بيتها: "ايا مسعودة يا خضرت لعينين". بل إن عيوش، نفسه، قد أخذت تتناهى إلى سمعه أصوات منذرة غربية، ولم يكن بوسعه في النهاية إلا أن امتثل لها.

بدون سابق إعداد أو استعداد، قام عيوش ذات صباح بحزم الحقائب ثم قال لمسعودة: " هيا بنا، إننا عائدان إلى صفرو". استوت السيدة على التو واقفة على قدميها في حيوية ونشاط كسابق عهدها. استعاد ناظرها الذي كان قد تهالك إشعاعَ الحيوية، كما استرجع وجهُها الشاحبُ سابقَ نضارته: أحقّـا ما تقول؟ أهذا صحيح؟

 

***

 

وصل عيوش ومسعودة إلى صفرو التي كانت لم تفرغ بعدُ من كافة ساكنتها من اليهود. وقد وجدا منزلهما في مكانه بــ"زنقة لحمّام" كما تركوه. بل إن دكان عيوش بساحة المدينة بقي بدوره في انتظارهما. لقد استعادت السيدة عافيتها فأخذت تجوب شوارع المدينة ذهابا وإيابا في حركية ونشاط، متجاذبة خيوط الهمس وأطراف الأقاويل مع جاراتها. ما يزال اسمها ساريا على كل لسان وشفة. وما تزال نغمات عود بشير ابن الباشا تنفث الحياة في جوف الأزقة المظلمة.

كلما حام الفتى حول نافذة مسعودة المطلة من الطابق الثاني، توصد السيدة النافذة في وجهه متأوهة بأنفاس عنفوان الغرام، وهي ترمي نحوه بألحاظ الغنج والفتنة. أما عيوش، فقد عاد إلى مكانه من وراء الباسط وإلى جانب الوضَم، وبين شفتيه غليون "سبسي" طويل، وبيده ساطور القِصابة المدرج بالدم، يهوي بضرباته القاطعة على كتل اللحم. لقد أصبح اليوم يشتري الثيران بدل البقرات. وكما هي عادة الجزارين، كان يربط الثور في حظيرة انتظار بالقرب من المجزرة إلى أن يحين دوره في الذبح.

          في الآونة الأخيرة، اشترى عيوش ثورا متميزا بضخامته: بهيمة بدائية بكل معاني الكلمة. كان يُـكنّ لذلك الحيوان محبة خاصة. فقد جاء من بعده ثيران عديدون لكنهم ذبحوا بينما تم الاحتفاظ به. كان عيوش يُحسن إطعامه وعلفه، فتوثقت بينهما رابطة خاصة. فكلما دخل عيوش إلى الحظيرة ليختار بهيمة للذبح، إلا ومرّ بجانب ذلك الثور ملاطفا إياه براحته، حانيا على أذنه، فاركا قرنينه العملاقين، ومقبّـلا غُرّته البيضاء التي تتوسط منطحه. إلا أن تلك أمورٌ لم يشهد الناس بتفاصيلها إلا بعد حين.

          في يوم من الأيام، ومن حيث لم يكن الأمر متوقعا، انفك ثور عيوش بغثة من وثاقه، ففر من الحظيرة. اندفع بكامل ثقل جثته، كرّا وفرّا عبر أزقة الملاح، ناطحا كل يصادفه أمامه في جنون مُرعب وغضب مروّع يُخّـيل أنه تراكم على مرّ السنين. مرّ أمام المسجد، ثم عرج مخترقا أبواب الملاح. مرّ خاطفا أمام البيعة ثم اخترق الساحة أمام نظر عيوش الذي حاول استرضاءه دون جدوى. فلم يعبأ الحيوان بنداءات صاحبه، بل واصل الكرّ فاضّا في طريقه زُرافات نساء كُـنّ قد خرجن للتو من الحمّام العمومي فتشتّـتن في ذعر. مضى مُصعِدا ثم هوى كالصاعقة على جموع المصلين في بيعة "صّلا د-لحاخام"؛ ثم اندفع نحو الكُـتّـاب، فخرج الأطفال ليسمعو بعد ذلك مجرد وقع عدوه المرعب وقد اختفى عن الأنظار.

انتشر الخبر بسرعة فائقة، متنقلا عبر السطوح والنوافذ: خبر ثور عيوش العملاق، تلك البهيمة البدائية التي أخذت تدوس كل ما تصادف في طريقها، مخربة جنبات المدينة. اهتزت جدران المدينة، وتساقط التراب من السقوف كما يحصل أثناء الزلزال. أغلق باب بيت الضيافة من الداخل، وأغلق النعّالون دكاكينهم على أنفسهم، ولزم الناس عقر ديارهم. ولم يحاول أحد مطاردة الثور الذي يبث الرعب، إذ لم يجرؤ أحد على الوقوف في طريقه. لقد خلا الملاح كلية من الحركة. وحده الثور بقي طليقا يتدحرج كجلمود بكل وقع ثقله العظيم. كان يعصف كالريح وهو منكّـسٌ رأسه ومسدد قرنيه الطويلين المدببين نحو الأمام، إلى أن وصل إلى زقاق بيت عيوش.

هناك، كان ابن الباشا يعزف على آلة العود كعادته ويتغنى بزوجة عيوش: "ايا مسعودة يا خضرت لعينين"، ومسعودة تبادله آيات الرضى من النافذة. داهم الحيوان ابن الباشا كما يداهم ساطور الجزار قطعة لحم، ففض جسمه وطوّح به في عنف نحو السماء إلى حد مستوى نافذة السيدة، حيث وقع العود المضرج بالدماء بين يديها، وأنغام أغنية الهالك ما يزال صداها ينبعث في الفضاء من أوتاره.

          سكان الزقاق الذين كانوا قد لاذو بالفرار محتمين بمنازلهم، تجمهروا الآن حول الجثة التي سقطت أرضا فاكتشفوا بأنها ليست سوى جثة نجل الباشا بعينه، وأن الثور المنطاح، إن هو إلا ثور عيوش الجزار، ذلك الرجل الذي عاد بعد أن كان قد رحل. اتضح حينها لعيوش أنه لم يعد أمامه سوى أن يلوذ بالفرار في الحين من المدينة، ففعل مصطحبا معه زوجته.

 

***

 

بآلة العود المبرقع ببقع الدم بين يديها، تعود مسعودة من جديد إلى مدينة الرملة؛ تعود إلى البيت وإلى دكان الجزارة. هناك انبرى عيوش من جديد يهوي بضربات ساطوره على كتل اللحم الطري؛ ضربات حادة صارمة، ودخان "سّْـبْـسي" يشكل معطفا سميكا حوله، ولا أحد يدري ما الذي يدور بخلده. أما مسعودة، زوجته، فقدأمسكت هي أيضا بساطور للجزارة، تقطـّـع به اللحم وتفرمه بسرعة ومهارة. ومن حين لآخر، وكلما هبّ النسيم فيدغدغ أوتار العود المعلق إلى جانب النافذة، يتناهى إلى سمعها صوت ابن الباشا وهو يغني لها أغاني غرامه: "يا فـْـريحة، يا مْسعودة، يا خْضْرت لعينين".

 

---------

نشر نص هذه الترجمة إلى جانب نصَّي ترجمة قصتين أخريين لنفس في الصفحات 153-158 من المرجع الآتي:

 

المدلاوي، محمد (2012) رفعُ الحجاب عن مغمور الثقافة والآداب؛ مع صياغةٍ لعَروضَي الأمازيغية والملحون. منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي. الرباط. (جائزة المغرب للكتاب: 2012)

 

نبدة عن مؤلف القصة المترجمة

هو جبرييل بن سمحون (גבריאל בן סמחון)، كاتب قصصي ومسرحي وأستاذ للسينيما والتليفزيون متخصص في السينيما الإيطالية بجامعة تل أبيب. وهو من مواليد 1938 بمدينة صفرو المغربية التي غادرتها عائلته سنة 1948 والتي ما يزال يحج إليها إلى يومنا هذا متبركا بضريح "سيدي لحسن اليوسي"، وهو عنوان إحدى قصصه القصيرة. هو كاتب غزير الإنتج باللغة العبرية. من أهم أعماله المسرحية مسرحيتا: "1948" و מלך מרוקאי "ملك مغربي". ومن أهم أعماله القصصية המהלכים על המיים "المشاة على الماء" (1997)، הולכת עם כמון חוזרת עם סעתר "يا لغادية بالكامون، يا جّـايّـة بزّعتر" (2002)، و פנטאזיה מרוקאית "فانطازيا مغربية" (2010). شخصيات وفضاءات أعماله القصصية تتوزع ما بين صفرو، وفاس، وشفشاون، وزاكورة وغيرها جهات المغرب، وتتميز من الناحية الفنية بتداخل الواقعية والفانطاسطيقية، راصدة التداخلات الفنية والفكرية والحضارية التي كانت تخترق النسيج السوسيو-ثقافي والإثنو-ثقافي للمجتمع المغربي منذ الإربعينات من القرن العشرين الى يومنا هذا. اخترقت مسألة الهجرة والترحال كثيرا من أعماله، سواء الهجرة ذات الأبعاد المهدوية والأيديو-سياسية كما في قصص "العائد"، أو "المسيح" أو "الختان" أم الهجرة السوسيو-اقتصادية كما في قصة "الفندق". وفي كلتا الحالتين يحضر مشكل الاندماج بقوة على شكل تمزق بين تجاذبات ذاكرة وقيم هوياتية من جهة، ومعطيات المحيط الجديد من جهة ثانية. هذه التوترات هي التي تمثل وقود الحياة التي تحرك شخوص وفضاءات أعمال بن سمحون.

-----------

 

- قصص أُخرَى للكاتب، بن سمحون، مترجمة إلى العربية:

 

1 "صعود تــــودة إلى السماء" (تنطلق أطوارها من بلدة أيت بوكًماز)

 

http://orbinah.blog4ever.com/en-arabe-traduit-de-l-hebreu-1-l-ascenssion-de-tuda

 

2 "المرأة التي بسطت جناحيها" (تجري أطوارها في مدينة صفرو)

http://orbinah.blog4ever.com/en-arabe-la-femme-qui-deploya-ses-ailes-nouvelle-de-g-ben-simhon

 

3- "الفـنــدق" (تجري أطوارها بمدينة الحسيمة)

http://orbinah.blog4ever.com/en-arabe-l-hotel-nouvelle-traduite-de-l-hebreu



17/05/2015
2 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 214 autres membres