OrBinah

(EN ARABE) La place du malhun dans la conception de la culture marocaine

Si la graphie arabe ne s'affiche pas correctement, aller dans la barre de menu en haut de la page, cliquer sur le bouton AFFICHAGE, puis sur CODAGE, puis sur PLUS, puis sur ARABE(Windows).

 

                         مكانة الملحون في مفهوم الثقافة المغربية

 

تناولت الحلقة ما قبل الماضية مفهوم التنمية في علاقة ذلك المفهوم بالخصائص الثقافية للعنصر البشري وللجهة، في ما يتعلق بالمناطق الصحراوية على وجه التحديد، وذلك عطفا على الندوة التي كان قد نظمها المجلس الاجتماعي والاقتصادي حول الموضوع؛ ثم تناولت الحلقة الأخيرة مفهوم التنمية البشرية في مناهج التعليم، وخصوصا منها مصوغات اللغة والثقافة المخصصة لأبناء الجالية المغربية بالخارج، وذلك عطفا على شروط الأهليه لتدريس تلك المواد بالخارج، كما حددتها مذكرة وزارية؛ وانتهت تلك الحلقة الأخيرة بتساؤل يقول: [فحتى إذا افترضنا جدلا أن ليست هناك حاجة إلى بعثات لتدريس اللغة العربية لأبناء المغاربة بمناهج ومضامين مغربية في دول الخليج مثلا، أفليست تلك الجالية في تلك البلدان المتسمة بثقافات جهوية ومذهبيات أخرى مغايرة، في حاجة إلى معدولات ومصوغات خاصة بالثقافة المغربية، شأنها في ذلك شأن بقية الجاليات؟].

يتفرع عن هذا التساؤل سؤال آخر يتعلق بمفهوم الثقافة المغربية، وبالمظانّ والحوامل الحاضنة للعناصر المتعددة والمتداخلة المتكاملة لتلك الثقافة. سنتوقف في هذه الحلقة على حامل واحد مهم من بين تلك الحوامل (حوامل الأدب، والموسيقى، والفولكلور، والصنائع، والهندام، والمطبخ، والاحتفالية، والتصوف، الخ)، لنرى ما موقع ذلك الحامل من المناهج والبرامج التربوية والتثقيفية بمختلف أسلاكها وأطرها العمومية (مدرسة، جامعة، إعلام، تنشيط ثقافي، الخ.). إنه فن الملحون، بأوجهه الأدبية والموسيقية والطقوسية الاحتفالية. وسنقتصر، بالتحديد، على مجرد الوجه الأدبي والأنثروبو-اجتماعي لمتن الملحون باعتباره نصا أدبيا. ويمكن الجزم منذ الآن بأن الملحون والشعر الأمازيغي هما دفتا كتاب "ديوان المغاربة"، الذي فيه أودع المغاربة عبقريتهم الأدبية، والذي يعكس أوجه تطور الذهنية المغربية عبر الحقب في غير انفصام في الوعي ولا استلاب فني أو أدبي، وبقطع النظر عن أحكام القيمة.

فلنأخذ قصيدة يعرفها الهواة جميعا، بما أن شأن الملحون بقي إلى حد الآن مجرد شأن هواة. إنها قصيدة "حْـمُّان" للشيخ محمد العيساوي الفلوس (توفي 1955)، التي غناها المرحوم الحاج الحسين التولالي (استمع، هــنــــا). فبقطع النظر عن الجانب الفني لهذه القصيدة في ما يتعلق بالفصاحة، واستقامة الوزن، وجودة الوصف، وروعة والحكي، تمثل هذه القصيدة "بطاقة بريدية" رائعة، نادرة وثمينة بالنسبة للمؤرخ الاجتماعي وللباحث الأنثروبولوجي في ما يتعلق بحياة حاضرة مثل حاضرة فاس في الربع الثاني من القرن العشرين. إنها خزانة من الوثائق الأدبية تعكس مؤشرات سوق القيم حينئذ ما بين البادية والحاضرة، وبين القيم الماضوية والقيم العصرية؛ كما تعكس قيم ومقومات الانتماء والانتساب في ذلك الوقت إلى القبيلة، أو البيوتات، أو الحومة، أو الطائفة، أو المهنة، مع كل ما يرتبط بذلك من درجات الجدارة، ابتداء بمدى استحقاق حمل اسم شخصي نسوي مثل "كـتــّـو" (اسم البطلة عند ميلادها)، أو حمل اسم "الهيفا تورية" (اسم البطلة عندما شبّت). ولقد استطاع الناظم، من خلال "قصة حْـمُّان أن يعكس بجلاء تلك الروح المحركة القوية التي كانت سائدة بالمجتمع المغربي في الربع الثاني من القرن العشرين، والتي تختزلها غلبةُ توقٍ اجتماعي جامح إلى قيم العصرنة والانعتاق من قيود العادات الماضوية ("الزْمْنيّة" نسبة إلى "زْمانْ" حسب قاموس القصيدة). لقد كُـلـل تمامُ ذلك رمزيا لما ختم الناظم قصته عن شخصية "حْـمُّـان"، الذي يصرح صراحة بأن لا وجود له في الواقع كشخص، ولا لأمه "الطبيبة الشوّافة القابلة"، ولا لغيرهما من الشخْصيات، وذلك بأن جعل حبكة قصته متمثلة في تمرّد البطلة "الهِـيـفا  تُورية" التي " قـْـرات النّْـحْوْ عْـلْ الكْـمال بالأدَب وتْفْصال"، وتوجّهِـها بنفسها إلى المحكمة، التي قضت لها بالطلاق من الحمدوشي السكير، "حْـمُّان الخربيطي" "ولــدْ بـُّـا عْـلاّل النفايحي"، فتزوجت "أستادْ بْحالْــها"، يناسب ثقافتها باعتبارها فتاة متعلمة وإن كان اسمها عند الميلاد هو "كْــتّــو".

فما موقع مثل كل هذا من مناهج الدراسات الأدبية بالجامعة المغربية ومراكز الحث العلمي وبمنظومات التكوين والبعث الثقافي المختلفة؟ وإلى أي حد يمكن أن تُـغني عن مثل ذلك في تلك المناهج كما هي قائمة، نصوصٌ مثل مُعلقة امرئ القيس، أو خمريات أبي نواس، أو هاشميات الكُـميت، أو مدحيات المتنبي، أو حتى رواية مثل رواية "زقاق المدق"؟

مشروعية هذا السؤال الأخير مبنية ليس فقط على المزايا الأدبية والفنية العالية لشعر الملحون في حد ذاته، وعلى صدق ترجمته للهوية المغربية؛ إنها مبنية كذلك على ما تحقق أكاديميا من توفير الأدوات المفهومية والمصطلحية والوصفية لمقومات هذا الشعر من حيث معجمه وعروضه وبناء قصيدته، وهي عناصر قابلة اليوم للتبليغ، ولا يستلزم تلقينُ عناصرها الأساسية (أوفاق التدوين، تقنية التقطيع العروضي) أكثر من ورشتين عمليتين جديتين في يومين اثنين. وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك أن الملحون يتداخل في تكامل من الناحية الفنية والبنيوية (خصوصا الإيقاع والعروض) مع آليات الشعر المغربي الأمازيغي من جهة، ويشكل من جهة ثانية، على المستوى المعجمي خاصة، آلة فعالة جد متطورة لـ"مغربة" اللغة العربية الفصحى، ولتفصيح العامية، مشكّـلا بذلك صميم عربية عالمة وسطى، تتمثل الفصحى بشكل غير منفصم عن التواصل اليومي التلقائي، أدركنا مدى الإهدار الذي يمثله عدم الاعتراف الأكاديمي المؤسسي بهذا المقوم الأساسي من مقومات الثقافة المغربية وعدم اعتماده تربويا من خلال المناهج.

--------------------------------------- 

نص ذو علاقة تكميلية

http://orbinah.blog4ever.com/en-arabe-concepts-et-terminologie-en-litterature-marocaine



22/05/2013
0 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 214 autres membres