OrBinah

(EN ARABE) 4-De l'état des études littéraires aux Dpts d'Arabe-4

 

عن  الدراسات الأدبية في شعب العربية بالجامعة المغربية

 

القسم الأول عبر الرابط الآتي

https://orbinah.blog4ever.com/blog/lire-article-162080-3058740-_en_arabe__1_de_l_etat_des_etudes_litteraires_aux_.html

 

4- نحو إعادة تصور الموضوع

 

سبق أن تم تقديم التبريرات الموضوعية لحديث هذا العمود عن "واقع الدراسات الأدبية في شعب العربية" في هذه الظرفية السوسيو-سياسية الخاصة. وتم التمهيد لذلك الحديث بإيراد تلخيصين لنموذجين أدبيين ملحميين هما الملحمة الأمازيغية "يفرخان ن-ايت وماركًـ" ("فتيان أهل الهوى"؛ 300 بيت) والملحمة الزجلية المسماة "ملعبة الكفيف الزرهوني" (497 بيتا) إضافة إلى تلخيص لإحدى الأوديسيات السماوية الأمازيغية ("حماد و-نامير") وآخر لإحدى الأوديسيات الأخروية الأمازيغية (قصيدة "الصبي"). وتم بيان مقدار ما يحوز هذا القبيل من المزايا الفنية، ومن الدلالات والقرائن  الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والسوسيو-لغوية، مما يجعله جديرا بأن يشكل ليس فقط مواضيع لدراسات أكاديمية جادة ومفيدة من حيث وثوق ارتباطها بالثقافة الحية والفاعلة في المجتمع، ولكن كذلك، وفي تكامل مع مثل ذلك الاهتمام الأكاديمي، بأن يتحول عبر الاقتباس والتكييف والإخراج الحديث إلى أعمال درامية متميزة، سواء عل خشبة المسرح أو الأوبيرا أم على شاشة السينيما أو التلفزيون.

 

الشعر الموضوعي في الآداب الشعبية

لقد قسمت بعض النظريات الأدبية المدرسية الآثار الأدبية، وخصوصا الشعر من حيث وظائفه التعبيرية، إلى أعمال غنائية ذاتية (oeuvres lyriques) من جهة، تعبر بأسلوب مباشر وبصوت وحيد عن ذاتية المبدع تجاه موضوع إبداعه، وأعمال موضوعية (ملاحم، أوديسات، مسرحيات شعرية، رويات) من جهة أخرى تتوارى فيها ذاتية المبدع وصوته الخاص وراء ذاتيات وأصوات شخصيات مستقلة بمقوماتها السيكو-اجتماعية وبمبررات وجودها التقديري، والتي يقوم المبدع بتصوير ملامحها أو باقتباس تلك الملامح من المرويات ومن التقاليد، فيسند إليها مختلف الأحاسيس والتعابير المناسبة لميولات كل منها، وللدور المسند إليه في فضاء معمارية درامية من نوع معين (مسرحية، أوبيرا، ملحمة، أوديسا). وكثيرا ما أُشيرَ إلى أن الشعر العربي، إذا ما قورن بالتقاليد الشعرية العريقة الأخرى، كالتقاليد الهندية، والفارسية، والإغريقية، واللاتينية، شعرٌ يغلب عليه الاتجاه الغنائي الذاتي، ولم يطور أبعاد الشعر الموضوعي. وإذا كان هذا التعميم صحيحا إلى حد كبير بالنسبة للشعر العربي الناطق بالعربية الفصحى عبر تاريخه المعروف، وإلى زمن ظهور المسرح والرواية، وعلى طول الرقعة التي انتشرت فيها العربية الفصحى كلغة جامعة لأدب النـُخَب العالمة الجهوية في المشرق ثم في المغرب، فإن ذلك التعميم غير صحيح بالنسبة لما يطلق عليه اليوم تسمية "الآداب الشعبية"، تلك الآداب التي تتفاوت أهمية تقاليدها حسب الحقب، وحسب الأمكنة، وحسب الأغراض، وتختلف حواملها ما بين الحوامل الكتابية ومجرد الرواية الشفهية سردا أو غناء.

ليس هنا مكان الحكم على درجة صواب أو خطأ الفرضيات المشار إليها في الحلقات السابقة، على مستوى تاريخ الأدب الشعبي، فيما يخص العلاقة التكوينية (rapport génétique) التي يمكن أن تقوم بين مختلف تجليات الشعر الموضوعي المغربي (ملاحم، أوديسات، غزوات) بمختلف أوجهه التعبيرية (زجل عربي، قصائد "الروايس" و"إمديازن" الأمازيغية في سوس والأطلس، قصائد "رالاّبويا" الأمازيغية في الريف). فأمر ذلك الحكم متروك لعناية أبحاث متعددة الاختصاصات ومتكاملة بين المتخصصين، ويتعين على جيل جديد من الباحثين أن ينجزها في هياكل ومسالك جديدة توفر سبل التمكن المتكامل من أدواتها اللغوية والمفاهيمية ومن امتلاك علوم الآلة اللازمة لها، من إثنوغرافيات ولغويات بفروعها، ومن علم اللهجات، وعلوم الموسيقى، والانثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، ونظريات الأدب والأجناس الأدبية، وفنون وتقنيات الدراما، والإخراج الخ. كل ذلك في إطار مشاريع برامج أكاديمية متكاملة ومتعددة الاختصاصات. إلا أن الأسئلة التي سبق طرحها فيما يخص نوع العلاقة التي يمكن أن تقوم بين مفهومي الآداب "العالمة" والآداب "الشعبية" في التصور العام لموضوع ومناهج الدراسات الأدبية بالجامعة على الخصوص تبقى أسئلة جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار كنموذج لترسانة الأسئلة الجديدة التي من شأنها أن تجدد مواضيع ومفاهيم الدراسات الأدبية، وأن تنقذها من دوامة ما يتهددها من إفلاس وجنوح إلى خارج دائرة المجتمع الحي والتاريخ المتحرك. ولقد ترجمت "الندوة الوطنية حول مستقبل كليات الآداب" التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الانسانية-اكَـدال بالرباط من 10 إلى 12 ديسمبر 2007 مثلا ذلك القلق الوجودي الذي يؤرق اليوم كلية الآداب في الجامعة المغربية عامة. ولقد سبق لي أن صغت بعض أوجه ذلك القلق بمفاهيم الوقت قبل ثلاثين سنة في مقال مطول كنت قد بعثت به إلى مجلة "الثقافة الجديدة" (ع:16؛ 1980؛ ص: 54-86) بعنوان "أزمة نقد أم أزمة أدب؟"، فتصرّف المحرّر في ذلك العنوان وصاغه على شكل "من النقد إلى الأدب". أعدت مؤخرا قراءة نص هذا المقال ففاجأتني درجة راهنيته اليوم؛ وذلك العدد من المجلة متوفر لحسن الحظ في صيغة إليكترونية عبر هــــــذا الرابــــــط

.

إنها إذن مهمة جيل جديد يتعين تكوينه وتوجيهه بعد كل أعمال التأريخ والتحسيس وردّ الاعتبار للآداب الشعبية المغربية التي أنجزتها عدة أجيال من الباحثين، المختلفي المنطلقات والمشارب، من مغاربة وأجانب، والتي بدأت جديا مع أمثال فايشر (A. Fischer)، وأندري باصي (André Basset)، وأرسين رو (Arsène Roux) ولويس ماسيـنيـون (Louis Massignon)، وعبد الله كَـنون إلى حد ما قبلهم، والمختار السوسي بعدهم، ثم محمد الفاسي، وعباس الجراري، ومحمد بنشريقة، وبوليط كَـالان بيرني (Paulette Galand-Pernet)، وميكائيل بايرون (Michael Peyron)، وهاري شترومر (Harry Stroomer)، ثم توالت تلك الأعمال، في استقلال عن منظومة البرامج الأكاديمية وعلى هامشها، مع جيل جديد من أمثال عمر أمرير، وأحمد بوزيد، وعبد الله النظيفي، والحسين كويجان، وفان-دين بوخرت (Van den Boogert)،  وسعيد يقطين، ومحمد مفتاح، ومحمد بوحميد، وحسن بحراوي، وحسن نجمي، وعلال الركوك، وبوسلهام الكط، ومحمد الراشق، وغيرهم. فقد "حان الوقت، ونحن نبحث عن تراثنا ونبحث عن شخصيتنا ومقومات هويتنا، ونحن ربما نتصارع في الساحة من أجل هذه الهوية بعلم مرة وبجهل أخرى، أن نفتح المجال للأنماط التعبيرية الشعبية من خلال الدرس العلمي ومن خلال البحث الجامعي وأن نشجع ذلك." (الجراري، 2002، ص:164-165). ولقد آن الأوان لتجاوز حالة كان يبدو من خلالها "أن بعض ممثلي الثقافة 'العالمة' في المغرب قد تصرف تجاه الثقافة الشعبية، وبالخصوص بعض مكوناتها، كما لو أنها ستقضم من سلطته المفترضة ومن فاعليتها" (حسن نجمي. "الاتحاد الاشتراكي"؛ 28 أكتوبر 2003).

إن النماذج التي أشرنا إليها عبر الحلقات السابقة لتبين إلى أي حدّ كان النموذج الذي غلب لعدة أجيال على الدراسات الأدبية في الجامعة المغربية، قد خرج بالفعل عن دائرة الحياة والتاريخ والجغرافيا لمّا تجاهل، بفعل أحكام مسبقة، أو بفعل مجرد عادة ميل اللاحقين إلى السير على خطى السابقين، كلَّ هذا القبيل من الرصيد الحي من أوجه الإبداع الذي من شأن العناية به ليس فقط أن يعيد الحياة للدراسات الأدبية في حد ذاتها عن طريق إدماجها في سوق التبادل الفعلي لما هو كائن وقائم في الفضاء الثقافي الحي، ولكن من شأنه كذلك أن يفتح آفاقا واسعة للرواج، بفعل مفعول النقد والمواكبة الأكاديمية والصحفية الإعلامية، أمام أوجه جديدة للإبداع من مسرح، وأوبيرا، وسينيما، وموسيقى تصويرية وسانفونية، وذلك من حيث أن مثل تلك النماذج تشكل معينا لا ينضب لاستيحاء تيمات الروايات والقصص (بما فيها قصص الأطفال)، وبناء معالم وقسمات شخصيات الأعمال الدرامية، وكتابة السيناريوهات، وتدبيج كراسات أعمال الأوبيرا، إلى آخر ما هناك من تجليات فلسفة الجمال مما لا تقوم اليوم ثقافة حديثة، وهوية صلبة متينة، بدون ازدهاره والتوفر له على سوق حداثية للرواج، سوق يتكامل فيها الإبداع والنقد الأدبيين مع الإبداع والنقد في ميدان الفنون الأخرى من موسيقى ومسرح، وسينيما وفنون تشكيلية، وإشهار، وتصميم أزياء، وديكور، ومعمار؛ وبذلك تعود الدراسات الأدبية لتنخرط في رواج السوق الحي بدل أن تستمر في خطاب وحيد الاتجاه مع عالم لم يكن قط محاورا في بعديه البشري والجغرافي، ولم يعد ناطقا فاعلا حتى في بعده التاريخي.

وكختام لهذه السلسلة نعيد هنا إيراد ما ورد في الحلقة الأولى والذي يقول:

((بعيدا عن طبوع ميلوديات ربيع "الحراك"، وصيف العراك، وخريف التخرّص، وإعادة ترتيب صفوف التربص، عن طريق عمليات 'التـتياك،' لإعادة توزيع الأوراق، اختار عمود "مساءلة البداهة" أن يغرد اليوم خارج الكورال؛ وذلك ليس فقط من أجل كسر رتابة اللحن، ولكن لأن الأمر يدخل في صميم فلسفة مساءلة البداهة، التي تتمثل بالضبط  في القدرة على ألا يؤدي الانخراط في ما ترشحه الظرفية والإعلام لاستقطاب جُماع الاهتمام إلى استحواذ موضوعه على طبيعة الأسئلة بشكل حصري. فالأسئلة المتعلقة بموضوع كموضوع واقع الدراسات الأدبية في شعب العربية، التي هي أسئلة قائمة في العمق، ومزمنة وسابقة على كل التيمات التي رشحتها الظرفيات تباعا، هي أسئلة لا ترتفع بمجرد التقادم. وإذا ما اعتـُـبر مجرد ما ينفق بالملموس عمليا على تلك الدراسات في الجامعة، في علاقة ذلك الإنفاق بما تفتحه نوعية التكوينات من فرص الانخراط في الوظائف الجديدة للمجتمع، ومن مساهمة الإنتاج الأدبي المرتقب نظريا في مراكمة قيم مضافة في الترويج الاقتصادي والاجتماعي في سوق الخدمات الفكرية والفنية (تثقيف عام، مسرح، سينيما، تنشييط)، فإن ذلك كاف لجعل تلك الأسئلة داخلة في صميم الأسئلة العامة: أسئلة التعليم والتكوين والتأهيل، هذه الأسئلة التي جرت العادة بأن يتم تعويم تقديم برامج بشأنها في خضم الشعارات العامة للحراك والعراك وتاكتيكات إعادة ترتيب الصفوف من أجل القيام بماذا؟ متى؟ وأين؟ وكيف؟ ولكن في الحقيقة، لكي تكون هناك برامج في هذا الباب، يتعين أولا أن تنطلق أسئلة المراجعة من الميدان المعني، وعلى لسان الممارسين فيه)).

 

وتتعين الإشارة بهذا الصدد الأخير إلى أن كل أدوات معالجة الآداب المغربية بمختلف تعبيراتها اللغوية متوفرة الآن من الناحية المعرفية على مستوى البحث العلمي الأكاديمي، وإن كان قد صيغ أغلبها بلغات أجنبية سواء داخل المغرب أو خارجه. فحتى المعارف التقنية، مثل عروض الملحون وعروض الشعر الأمازيغي في علاقتهما بالبنيات الموسيقية، قد تراكمت بشأنهما دراسات مستفيضة ودقيقة وبمفاهيم صورية قابلة للتبليغ المنهجي. كل ما يلزم هو المبادرة إلى صياغة برامج التكوين والبحث في الهياكل الأكاديمية المعنية قصد تصريف تلك المعارف بنقلها من الحيز الضيق للبحث العلمي الأساسي إلى مجال التيسير التعميم البيداغوجيـيـن.

-------------

القسم الأخير عبر الرابط الأتي

https://orbinah.blog4ever.com/blog/lire-article-162080-3352395-_en_arabe__5_de_l_etat_des_etudes_litteraires_aux_.html

 

 



26/07/2016
2 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 323 autres membres