OrBinah

(En arabe) L'Arabe Classique et le concept du genre

من "اللسان" إلى "اللغة": شطحات ما-وراء-لسانية

(بمناسبة حرب نزع الفصاحة عن "بغرير" في المغرب)

 

مقتطف من كتاب "مقامات في اللغات والعقليات؛ الهوية والتحديث ما بين التذكير والتأنيث". محمد المدلاوي-2008.

 

 

I-        الذكـَر والأنثى ومسألة التغليب

اعتبر قومٌ أول الأمر منطقَهم وملـَكةَ نطقهم كيانا ذكـَرا مذكـَّـرا، فسموه: "لسان"؛ وبذلك التصور وذلك اللفظ وردت التسمية في محكم التنزيل بـلسان عربي مبين. وبناء على ذلك، سمى ابن منظور الإفريقي موسوعته المعجمية التي أجمل فيها ما تفرق في غيرها بـ"لسان العرب". ولما تمكّن القومُ تمكناً في الزمان والمكان، وفي شؤون العادة، فهجروا دارات الوبَر وبعض المدر، ثم انتهوا بتشييد مدن النحاس، فمكنّوا فيها لحضارة الحرَم والحريم، وتنافسوا في تملك المال والبنين واستجلاب ألوان القيان والرقيق، واتخذ أعيانُهم لأنفسهم في مقصورات قصورهم الوصيفَ والنديمَ، متكئين على الأرائك يستوهمون أطيافَ ولدان مخلدين، بين كل وضوء ووضوء كبيرين، ظن فريق منهم بأن اللسان غلامٌ، وذلك نظرا لقوة سحر بيانه وافتتان القوم بسحر بلاغته، ونظرا لاحتمال اللسان التذكيرَ والتأنيثَ من الوجهة الصرفية في نوع من الالتباس الجنسي إذ يقال: "لسان متحفـّظ"، كما يقال "لسان سليطة"، وهو التباس لجنس مضغة اللسان يثير، في حديقة الأوهام بين الأرائك بين كل وضوء ووضوء، مظهرَ كل غلام أغيد رخص مخنّث يحتمل التذكيرَ والتأنيث حسب نيّة ومدار خيال صاحب الأوهام. وبذلك الاعتبار سهُل لهم فنًّ التغزل بالذكر أو بالأنثى، حسب مجرى الهوى في سلاسة لغوية، مستعملين صفات وضمائر التذكير، المنسحبة على الذكر بحكم الأصل، وعلى الأنثى بحكم التغليب النحوي والالتباس الوهمي، واعتبارا لمجرد نيّة المتغزّل حسب اتجاه هوى عواطفه وموقع اللُبانة من موطن عشقه؛ وذلك على عكس ما يحصل من حصر مرجعي لجنس المتغزَّل به حين تـُستعمـَل في التغزل أسماءٌ أوصفات غير ملتبسة من حيث الجنس الصرفي، كما في قول بشار بن برد في معشوقته العربية:

ودعجاءِ المَحاجر من معدٍّ   *   كأن حديثــها ثمرُ الجنـان

إذا قامت لمشيــتها تـثـنـّـت  *   كأن عظامها من خَيزُران

 

أوقول كعب بن زهير في نموذجه الجمالي للأنثى العربية:

تجلو عوارضَ ذي ظـَلمٍ إذا ابتسمت  *   كأنه مُنهَلٌ بالراح معلــــــول

هيفـــــاءُ مقبلةً، عجـــــزاءُ مدبــِـرةً   *  لا يُشتكى قصرٌ منها ولا طول

 

أو كما جاء في قول الشاعر السفير الأندلسي، يحيى الغزال، في معشوقه الذكَر الرومي الذي انشغل به عن مهمة سفارته التي كان قد اخترق من أجلها بحر الروم طولا من مضيق أساطين هرقل إلى مضيق مجمع البحرين حيث قال في غلاميته المشهورة:

 

وأغيدَ ليّنِ الأطراف رخصٍ   *   كحيل الطرْف ذي عنق طويل

ترى ماء الشباب بوجنتيـــــه  *   يلوح كصفحة السيف الصقيل

 

لقد أصبح بإمكان المتيّم من القوم، بفضل تلك المراجعة الالتباسية لمدونة الأحوال الشخصية للسان وللغلام في عالمي النحو والأوهام والفِـنطـَسـْمات أن يتغزل، مهما كان صفّه، بمن يشاء من الكائنات والموجودات، فيظلّ الباب مفتوحا ليؤوِّل السامع ما يحلو له، حسب ما إذا كان ميالا إلى هذا الجنس أو ذاك بحكم مزاج تركيبته الهرمونية ومسار تربيته السيكو-اجتماعية، أم كان من المتصوفة الذين تتداخل لديهم أنطولوجيا العوالم وسيميولوجيا الأفعال، مثل الزاهد المتصوف الذي حكى عنه حسن الوزان بأنه فاجأ جمهور مريديه وعامة الناس يوما بانقضاضه على امرأة من المارة أمام أعين الجميع بأحد أزقة حاضرة فاس، فلما قضى منها اللبانة والوِطر، انصرف متصوفا إلى خلوته فأقبل الناس على المغتصَبةِ يتبركون بالتمسح بفصوص وأعطاف إزارها الممرغ في النقع بعد الوقعة الصوفية؛ فيمكن لنفس الشخص أن يقول:

أيها الساقي إليك المشتكى  *   قد دعوناك وإن لم تسمـعِ

ونديــم همـت في غرتــه   *   وبشُرب الراح من راحته

كلما استيقظ  من سكرته   *   جذب الـــزق إليه واتـّـكـا

وسقاني أربعا في أربع

 

أو يقول:

يا نسيم الــريح قُل لي للرشــا   *   لم يزدني الوِرد إلا عطشــــا

 لي حبيبٌ حبـُّــه ملءُ الحشــا   *   إن يشا يمشي على خدي مشى

روحُه روحي وروحي روحُه  *   إن يشا شئتُ وإن شئتُ يشــــا

أو يقول:

شربنا على ذكر الحبيب مدامة *  سكرنا بها من قبل أن تخلق الكرم

 

فلا ينسحب بالضرورة تغزلُ القائل بقولٍ من مثل هذه الأقوال على غُـلام، ولكن لا  هذا لا يقصى ذلك الاحتمال إقصاءً بحكم منطق اللغة نفسه. وبذلك القدر من التباس اللغة يتم تشفير الاتصال والتفاهم بين فرقاء الغلمانيات دون إثارة انتباه صحافة الرقابة الرسمية أو فضول رقابة الصحافة المستقلة، لا في القصر الكبير، ولا في القصر الصغير.

ثم  إن تلك المراجعة النحوية المذكورة وذلك الالتباس الذهني في باب التذكير والتأنيث قد جلبَ كثيرا من اليُسر والتقدير للمتيم في هذا الباب؛ ذلك أنه يجعل من الممكن إضفاءَ هالةٍ من السمو الروحي الصوفي على أقوال مغرضة عادية في حقيقتها مما هو على شاكلة القولين الأخيرين لسلطان العاشقين بدون منازع، وذلك كما كان قد أضفى مثلا جمهور أزقة فاس، كما وصفها حسن الوزان، هالةً من القداسة الماورائية على سيناريو عاديّ للإشباع وتفجير الكبت الجنسي كان بطله أحد المتصوفة الذي انقض على امرأة من المارة، وهو سيناريو من باب "المختلفات" بلغة الصحافة اليوم، وتصفه بعض اللغات القانونية بـ"المجاهرة بالزنا اغتصابا في حالة تلبّس".

ولقد انتهى الأمر بالقوم، بعد تلك المراجعة التوافقية للغة من حيث نوع جندريتها كي تبقى وفية لذهنية الانطلاق، إلى اعتبار اللـــــسان - من حيث هو ملتبس الجنس كالغلام - عنصرا ملحقا بعيال الحريم على مستوى تنظيم فضاء العشيرة؛ ثم عمدوا إلى تأنيثه بعد ذلك كليةً وبشكل نهائي على مستوى النحو والمطابقة، فكان ذلك بمثابة إخصاء له لغايات حريمية وحميمية، فألبسوه عندئذ الثيابَ الصرفية المناسبة؛ وبحثوا من أجل ذلك في مخزون المكتنزات حتى وجدوا الثوب اللفظي المناسب، فأصبح لفظه عندهم "لـــغـــة عربية".

وبذلك التحويل الجنسي للسان إلى لغة، انطلاقا من الاشتباه بالغلام الساحر، أصبحت اللغة في تصور القوم عبر الأجيال امرأة فاتنة خصبة التربة من طينة ثمر الجنان يتغزل من قريب أو يتشبّب بها من بعيد. لكن لما شاخت وذبلت مفاتنها وبلغت سنّ اليأس في الحريم، انبرت ترثي لحالها على بلسان بعض المتيمين بصورة شبابها ممن قال:

رموني بعقم في الشباب وليتني * عقمتُ فلم أجزعْ لقول عُداتي

 

وكلمة "لغة" هذه غير واردة في التنزيل بخلاف اللغو الذي ورد فيه (لا يواخذكم الله باللغو في أيمانكم)؛ فلعلها إذتم اشتقاقٌ من لـــــَغـْـــو ما بعد النزول، أو اقتراضٌ لكلمة "لوغوس" من لغة ذي القرنين، باعتبار السين من هذه الكلمة الأخيرة عبارة عن علامة إعراب. وبتأنيث اللسان صرفيا ومعنويا في المعجم بلفظ "لغة"، أصبحت ماهيته خاضعة لقواعد التغليب في باب المطابقة النحوية، كما هو شأن امرأة، ونعجة، وشاة، ولبؤة وآنسة، وغير ذلك من أوجه وأشكال الإناث؛ فقالوا مثلا: "إن اللغة والعقل يشكلان ملكتين متداخلتين"، ولا يقولون "تشكلان ملكتين"، سواء أتقدمت كلمة "لغة" ثم عـُطف عليها، أم تأخرت فعـُطفت على غيرها.

وقد عـُمم هذا التصور الحقوقي لأحقية مرجع الضمير على كافة أسماء المعجم التي صنفها الوسواس الجنسي الخنـّاس اعتباطيا إلى جـنسي الذكـَر والأنثى، بما في ذلك عطارد والزهراء، والشمس والقمر، في باب النجوم والأجرام، والشيح والخزامى والقيصوم، في باب النجم والنبت، مع تغليبٍ مطرد لجنس الذكَر على جنس الأنثى في أحقية النسـَــب ومطابقة رجوع الضمير. إذ إلى الذكر تـُنسب المطابقة في الإتباع النحوي حتى وإن كان اسم الأنثى "نرجس" وكان اسم الذكر "طلحة". وذلك كما يـُنسب الولد للفراش وللعاهر الحجَر؛ فيقال مثلا "نرجس وطلحة يـرِثان بالفرض"، ولا يقال "تـرثان"؛ وذلك سواء أتقدمت "نرجس" في الذِكـْر على الذَكـَر أم تقدم الذكـَر عليها في الذِكـْر. وإذ يقال "الأتان لا ترفع صوتـَها بالنهيق، إذ حق النهيق للحمار على سبيل الحصر"، فإنه لا يقال "الأتان والحمار تشتركان في صفة الأتـانية" وإنما يقال "الأتان والحمار يشتركان في صفة الحمارية"، أعز الله بني آدم من القراء والقارئات ومن السامعات والسامعين.

ذلك أن منطق اللغة قد اقتضى أنه متى شكلت الأنثى مع الذكر زوجا وعُطف أحدهما على الآخر، تصبحُ الأنثى "عقيـلةً" للذكر، أي للبعل (بدون إعجام العين)، بمعنى أنها تصبح "معتقـلة" لديه، تستتـِر وتـُستر في خِدرٍ مع سائر المتاع، أو في هودج مع البضاعة، أو من وراء حجاب بصفة عامة، ولو على شاطئ البحر للاستحمام أو العوم عوما شرعيا، أو على مقعد الدرس، أو أمام قاضي التحقيق؛ إذ كلها عورة؛ والعورة تشترك مع العــــار في اشتقاقهما من أصل واحد بمجرد قلب الألف إلى أصلها الواوي على غرار العلاقة من بين كلمات القيل والقال والقول.

فوجه الأنثى عورة وسوأة توضعُ في الجاهلية عند الاضطرار تحت عبرق أو برقع أو نصيف أو خمار. وقد قال النابغة الذبياني في المتجردة، عقيلة النـُعمان بن المنذر:

      سقط النصيفُ ولم تـُرد إسقاطه   *   فتنــاولته واتـّقــتـنا بـاليــد

     بمخضّـبٍ رخـصٍ كـأن بنـانــه    *  عنَـمٌ يكاد من اللطافة يـُعـقد

 

فلا يجوز للمرأة التبرج والسفور ولو أمام بغل أو حمار. فهي للبعل لا للبغل (بالإعجام هذه المرة)، لأن ذُكـْران الجاهلية يغارون من فحولة هتين الدابتين المتفوقتين في رياضة الجـِماع في العراء تحت الشمس وبدون فراش. وكذلك ذراعُ المرأة عورةٌ وسوأة، يوقظ النظرُ إليه ماردَ الشبق والغواية من غفوته في أعماق ليبيدو بعض الورعين من الذين يزنون بأعينهم الشبقية كما يقول المسيح، وتـُربك رؤيةُ بضاضته تخشّعَ المتخشعين ممن تسبـّح سبابةُ يمناه في العلن بالأسماء الحسنى، بينما يفرك ويدلك إبهمُ يسراه من تحت الجبة في استيهام وشرود فصَّ الحشفة، خصوصا عند وقوع ذلك النظر اللعين على ذراع مكشوف مستفز أو على محيىً يتغنج من خلال حجاب أو نصيف شفاف، وتكون حالُ الناظر البريء حالةَ "من لم يقصِد فوجدَ"، وهي إحدى الحالات الأربع في مزالق النظر واللمس خلال "تدافع الحياة" بين الذكر والأنثى كما حدد ذلك الفقهاءُ (أي حالات 1 قصدَ ووَجد، 2 قصد ولم يجد، 3 لم يقصد فوجد، 4 لم يقصد ولم يجد).

وقد ذكـّر بتلك المخاطر ذات يوم بالصياح والصراخ والتلويح بالجوارح بعضُ المشرّعين الجدد عندما تعرض لمثل ذلك الاستفزاز والتحرّش الأنثوي في عقر مجلسٍ للتشريع في ما بعد الجاهلية؛ وهو مجلس استعار المولـَّـدون من كلام العجم لفظَ "بـَغـلـَـمان" (بالإعجام) لتسميته؛ وذلك بسبب عدم وجود مفهوم وظيفته في ذهنية القوم، ولا لفظِه بالتالي في أصل معجمهم الفحولي. وقد سموه "بغل-مان" بالرغم من أنه لم يكن في لغةِ من أسسوه أولَ مرةٍ اسماً مركبا تركيبا مزجيا من "بغل" وهو الدابة المعروفة و"مان" الذي يعني "رجـُل" في لغة غيرهم، خلافا لما يذهب إليه التخريج الشعبي الذي يروجه بعض المغامرين المقامرين في اللسانيات العالمية المعولمة في إطار "صراع الحضارات". وذلك بدليل أن ذلك الاسم المستعار من العجم - وعلى غرار "مـَرزُبان" و"كهرمان" - غير ممنوع من الصرف مثل "مَعـْديكـَرِبَ" و"حَضْرمَوتَ" و"تـُركُمانَ" مما هو مركب فعلا في اللغة المستعيرة، فيمتنعَ تنوينـُه، ويجرَّ بفتحة نائبة عن الكسرة كما يأمر بذلك صاحب الألفية:

وجـُرَّ بالفتحة ما لا ينصرفْ  *   ما لم يـُضَف أو يـَكُ بعدَ ألْ رَدِفْ

 

ومن العورة كذلك صوتُ المرأة بناء على قول شاعرهم الكفيف الماجن، الذي قـُتِل جلدا لسلاطة لسانه، ما يلي:

يا قومُ أذْني لبعض الحي عاشقةٌ  *  والأُذنُ تعشق قبل العين أحيانا

 

ولذلك قالوا "لعن الله امرأةً رفعتْ صوتها ولو بذكر الله"، وأسندوا ذلك إلى الأنبياء. فرفعُ الصوت من صلاحيات المرء لا المرأة، كما أن النهيق من صلاحيات الحمار وليس من حق الأتان. ولذلك يحق للمرء وحده، متحدثا كان أو محدّثا، خطيبا كان أو مؤذنا، أن يستعمل كل تقنيات التكبير الصوتي بالديسيبيل ليسعف بها بحّة حلقه المبلغـَم أو نضوب رذاذه وريقه، مع "أن أنكر الأصوات لصوت الحمير"، هذا الصوت الذي يبـُزّ في قوته الدفعية بلا مكبـّر كلَّ الأصوات الحيوانية. وتفعيلا لهذا الباب من الحقوق المتعلق بحق رفع الصوت، وبما أن حيوانا آخر، هو الديك، قد عُرف بجُبنه وبنقص إقدامه وغيرته الماتشاوية رغم فحولته العصفورية الفاسقة، حتى إنه يحصل له أحيانا أن يبيض ولو مرة في العمر كما تبيض أزواجه كل يومين، فإن بعض الدجاجات يتجرأن على الصياح العلني والأذان للصلاة مثله. ولقد جرت العادة العرفية عند صدور هذه البدعة من الدجاجة بأن يتدخل الإنسان العاقل فيـَعمد إلى ذبح الدجاجة الرافعة لصوتها بمجرد أن تقدم على ذلك التجاوز المتهور للحقوق معتبرا بأن بها جنونا، فيقطع منها "الحلقوم والودجين بمُـسنّ بلا رفع الآلة قبل التمام وبنية إحلال المذبوح مع استقبال القبلة القبلة والبسملة عند الذكر والقدرة" كما تنص على ذلك قواعد الذكاة الشرعية التي هي "ذبحٌ ونحرٌ وعَقرٌ وما يجلب الممات لكل ما ليست له نفسٌ سائلة"، وذلك صدا للذرائع وصيانة من ذلك الإنسان العاقل للتوازنات في حظيرة الدجاج كذلك، واتقاءَ ما ينذر به فعل الدجاجة المؤذّنه من شر قد يتسرب بالتقليد إلى إناث الإنس. ولهذا قال شاعرهم:

 

ما للنساء وللخطابة والكتابه  *  هذا لنا ولهنّ منا أن يبـِتنَ على جنابَه

 

وبما أن قصة جبرائيل بن سمحون "بسطيلة فاسية" (בסטילה פאסיה) قد أمسكت عن الكلام المباح بعد أن أدرك الفتاةَ ياسمينَ الصباحُ، فإنه لم يـُعلـَـم، في هذا الباب، ماذا كان مصيرُ البطلة الفاتنة، ياسمين، التي تجرأت ذات يوم على التسلل إلى المسجد والأذان لصلاة الفجر بصوتها العذب الرخيم من على مئذنة القرويين كما انتهت بتلك الواقعة القصةُ المذكورة.

وكذلك اسمُ المرأة عورةٌ، وكذا ماهيتها التي لا يُكشف عنها فتعرفَ إلا في فراش بَعـلها (بغير إعجام) كما يدل على ذلك اطرادُ تعبيرِ الكتابِ المقدس عن مجماعة المرأة بفعل عَرَف "ידע" (وعرف آدمُ حواءَ، امراتَه، فحبَلت وولدت قايين وقالت: أنجبتُ رجلا من عند الرب). وهي، باعتبارها عورة وسوأة في جوهرها، تنتمي إلى حيـّز الحرام، ولذلك يطلق على زوج المرء وعقيلته "حـرَمُ الرجـُل"، وعلى قطيع أزواجه "حريم"، أي أرضه الحرام التي يحرثها. والحرام مرتبط في الاصطلاح  باللعنة والطرد من رحمة الله بمقتضى مرجعية الخطيئة الأولى كما أوردتها رواية سفر التكوين وكما يدل على ذلك صراحة لفظ חרם [حِـرِم] الذي يعني في لغة سفر التكوين  طردَ الفرد طرداً شرعيا من الجماعة (Excommunication). وهي، أي الأنثى العقيلة، مقيـّدة بسلطة عاقلها البعل، ورهينة تحت عصمته باعتباره قوّاما عليها مقوّما لوجودها الانطولوجي ولشخصها الحقوقي، وباعتبارها مجرد ضمير مستتر يستمد مضمون وجوده، حتى في المعجم اليومي، من مجرد مرجعية البعل، إلى درجة أن اسمَ حـَرَم أو عقيلة المرء، الذي هو قوّام على المرأة بحكم التغليب في اللغة وغير اللغة، اسمٌ يُضَمر دائما ويستتـِر وجوبا حسب العـُرف اللغوي ويـُكنـّى عنه بمجرد مجاز عقلي علاقته مكانية، من قبيل "الأهل" أو "الدار" أو "الخيمة"، أو بمجاز علاقته سببية، من قبيل "الأولاد"؛ بل إن بعض العقليات المشرقية تـُورِث تلك العـقـيـلة ورثا ضمن التركة باعتبارها من مظاهر زينة الحياة، كما يورَثُ المتاعُ جملةً باعتباره أساس السلطة على العموم، فيـُكتنز كما تـُكتنز قناطر الذهب والفضة؛ وذلك كما هو شأن حُكم ميراث "اليابام" (יבום = lévirat) عند العبرانيين الأولين، والذي هو وجه من أوجه الإرث، يتزوج بمقتضاه االمرءُ وجوبا أرملةَ أخيه المتوفى، وذلك قصد ضمان الاستمرارية لنسل وزرع هذا الأخير من خلال "بذور" الأخ الحيّ الذي عليه أن يتولى حرث أرض الهالك التي خلـّفـها في صورة أنثى ناطقة؛ ولا يتحرر الأخ الحي من تكليف هذا الحرث الذي هو إجباري بمقتضى الشريعة الموساوية إلا بطقس من طقوس اليهودية الأولى تقوم بمقتضاه الأنثى الأرملة، الموروثة بالقوة، بالبصق على حذاء حـَماها، نعلاً كان ذلك الحذاء أم خـُفـّا.

 

ومن المظاهر السيمانطيقية التي يتميز بها صرف لغة القوم والتي تعكس دونيةَ شأنِ الأنثى والتأنيث عامة، أن عددَ الجمع من الأنثى إنما يعادل في لفظ لغة القوم ومنطقها وميزان حسابها عددَ الواحد من الذكر. فيقال مثلا في جمعِ "نحلة" "نحـْلٌ"، وفي جمعِ "نخلة" "نخـْلٌ"، وفي جمع "بقرة" "بقـَرٌ"، وفي جمع "شجرة" "شجـَر"، تماما على غرار ما خـُوّل على مستوى الكمّ المادي ضعفُ نصيب الانثيين في الإرث للذكر الواحد في أكثر الفقهيات إنصافا، وخـُـوّل له على مستوى الاعتبار المعنوي مثلُ قيمة عـُهدتيهما معا في الشهادة والخبر، بينما خـُول له الكلُّ، وللأنثى الصفرُ على مستوى أهلية  الولاية والإمامة؛ إذ لا يكفي في أهلية الإمامة الإيمان والتقوى؛ فلا بد فيها من الذكورية البيولوجية للإمام، بل لا بد فيها من فحولة الذكر نفسه؛ فقد كرهوا إمامة الخصيّ والمجبوب والعنـّين.

كما أن الفحل إذا أراد أن ينتقص من الفحل ويقلل من شأنه في المنافرة ينسُبه إلى التأنيث ويرجع عليه ضمير المؤنث كما فعل جرير بغريمه الفرزدق لما قال له:

 

أقلـي الـــــلومَ، عــاذِلُ، والعِتابَ *  وقولـي أن أصبتُ: لقد أصاب

وغـُـضّـي الطرفَ، أنكِ من نُمَيرٍ *   فـلا كعبــا بلغتِ ولا كِــــلابا

 

وقد بلغ ذلك الانتقاص من التمكن في الذهنيات أنّ أصحاب اللـــغــــــة من الفحول قد طوروا لغتهم في اتجاه استبدال لفظ "رجـُل" بلفظ "المرء" الذي تمّ هجـرُه واطـّراحه بسبب اشتراكه مع لفظ "المرأة" في مادة الاشتقاق؛ كما أنهم لم يسمحوا بأن يكون للفظ "رجـُل" مؤنثٌ من لفظه على صورة "رجُـلـَة" مثلا للدلالة على "المرأة"، كما يقال "قط" و"قطة" و"كلب" و"كلبة"؛ وقد قال بعض الظرفاء بأن القوم قد قاسوا ذلك على ما فعلوا مع الدوابّ والأنعام، من قبيل قولهم "جمل"/"ناقة"، "ثور"/"بقرة"، و"كبش"/"شاة"، و"حمار"/"أتان"، وهذا غير صحيح، إذ أن هناك من الدواب "بغل"/"بغلة" و"كلب"/"كلبة".

.

محمد المدلاوي



09/09/2018
3 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 210 autres membres