OrBinah

(En Arabe) De l’utopie prophétique de Rabbi Makhlouf Abettan de Casblanca pendant la 2ième Guerre Mondiale

عن اليوتوبيا التنبؤية للــرَبّي المغربي مخلوف أبطـّان البيضاوي

خلال الحرب العالمية الثانية

بقلم: Davis Guedge

ترجمه عن العبرية: محمد المدلاوي

 

تــــقــــديــم

أعرف منذ سنوات أن المغاربة اليهود كانوا، على مرّ التاريخ، على جانب كبير من البينة بما يستجد من أفكار وأيديولوجيات ويخترق الفكر اليهودي هنا أو هناك في بقاع العالم حتى قبل انتشار وسائل الاتصال الحديثة التي نعيش أوجها في العصر الإليكتروني. فقد قرأت مثلا ذات مرة، لم أعد أتذكر بالضبط في أي مرجع، أن المتنبئ اليهودي التركي الشهير ساباطاي تصفي (1626-1676؛ انظر هـــنـــا) الذي كان قد ادّعى أنه "المسيح المنتظر" قد وُجد له صدى وأثر مكتوب في أعماق بلدة إيليغ "النائية" بالأطلس الصغير. ذلك ما جعلني أتساءل دائما لماذا لم يكن لحركة الهاسكالة التنويرية اليهودية الأوروبية في القرنين 18 و19 (انظر هــــنــــا) أي صدى في أوساط المغاربة اليهود حسب علمي حينئذ. غير أن النص الآتي يبيّن لي اليوم أن الأمر يتعلق بنقص في المعرفة وبصعوبة الوصول إلى مصادرها وليس بحقيقة الواقع. هذا النص منشور باللغة العبرية في موقع "تراث اليهود المغاربة" (מורשת יהדות מורוקו؛ هــــنــــا). وهو نص يعرّف ببعض أعمال الربّي المغربي، مخلوف أبطـّـان،(1) من الدار البيضاء، في باب الأدبيات الطوباوية حول المدينة الفاضلة في العصر الحديث،  وقد قمت بترجمته إلى العربية لتعميم الفائدة.

 

نص الترجمة

 

في أوج أوار الحرب العالمية الثانية، ظل مخلوف أبطـّــان يتابع في غرفته بالدار البيضاء قدَر الإنسانية بقلق شديد. لقد كانت شظايا الكارثة العظمى تصيب شمال إفريقيا على مستويات مختلفة وبدرجات متفاوته؛ وكان اليهود المغاربة - على خلاف نظرائهم في كل من تونس والجزائر، يكاد لا يلحقهم شيء من ذلك. غير أن قراءة الصحافة اليومية والاحتكاك باللاجئين الوافدين من أوروبا، وكذا ربط بعض العلاقات مع بعض الافراد من الحلفاء الذين نزلوا بالمغرب في نوفمبر 1942، لم يكن ليطمئن الجماعات اليهودية المغربية. ومن ثم شرع بعض الكتاب منهم في أنتاج أدبيات بالعبرية وبالعربية المهودة تتعلق بالحرب القائمة، وبالهولوكوست، وبوضعية يهود شمال أفريقا.

 

إعادة رسم معالم العالم

أما مخلوف أبطـّـان، فقد اختار أن يحرّر عملا غير عادي. إنه عمل لا يتناول الخراب الذي لحق العالم، بل يتناول مسألة إعادة رسم معالم العالم. لقد صوّر صرحَ يوطوبيا وفصّل الأفعال والإجراءات اللازمة [في نظره] لتحويل تلك اليوطوبيا إلى واقع. إن عمل مخلوف أبطـّـان لهو عملٌ بارز في باب الأدب عامة، وفي باب نوع اليوطوبيا على وجه الخصوص، نظرا لكونه قد حُرّر في أوج تأجج الحرب العالمية الثانية من طرف يهودي متمسك بالعقيدة، لكنه يهودي متشبع كذلك بفكر حركة الهاسكالة اليهودية (فكر يقابل حركة "فكر الأنوار" الأوروبي، ويدعو إلى العمل على تلاؤم الفكر اليهودي التقليدي مع إطار زمنيّة المدينة وعالم الواقع).

يتوفر مخلوف ابطـّــان على أسلوب خاص في اللغة العبرية، ويتميز فكره بنظرة إلى الأمور غير عادية بالقياس إلى زمانه ومكانه. ثم إن أعماله تسلط بذلك أضواء كاشفة على طيف من الكتابات العبرية المغربية في النصف الأول من القرن العشرين، وهي كتابات ليس منها إلا القليل ممّا هو في متناول القارئ الإسرائيلي.

لا يُعرف سوى بعض الشذرات عن هذا المؤلف الذي فضّل، على ما يبدو، ألا يخلـّـف من وراءه اثرا، خلال الفترة التي نشر فيها عمله. نعرف اليوم بشكل قطعي أن مخلوف أبطـّان قد عاش في الدار البيضاء، وأنه كان ينتمي إلى شبكة من التنويريين اليهود (מסכלים) موزعة ما بين المغرب وفلسطين وأوروبا والولايات المتحدة. كان يساند الحركة الصهيونية بما أن اسمه يوجد ضمن لائحة المتبرعين بـ"الشيقل"، أي واجب الانخراط السنوي في المنظمة الصهيونية العالمية التي أسِّست في الثلاثينات من القرن العشرين.

لقد عرض مخلوف أبطـّان أفكاره في رسالتين باللغة العبرية كان قد قام بطبعهما في الدار البيضاء. نشرت الأولى سنة 1945 بعنوان אשר האדם ("سعادة الإنسان") ونشرت الثانية سنة بعد ذلك بعنوان בנין העולם ובריאת אדם חדש ("تشييد العالم وخلق إنسان جديد"). لم يُثبت لا اسم الناشر ولا اسم الطابع في أي من الرسالتين، ويبدو أنهما لم يكونا يرغبان في أن يقترن اسماهما بكتابات أبطـّـان وبنظرياته. بل أكثر من ذلك، قد نُشرت الرسالة الثانية خالية من اسم أبـطـّـان نفسه؛ ويبدو أنه قد تم الاقتصار في توزيعها على طائفة محصورة من المتنورين المحليين. لقد اتضح ذلك لمّا تم العثور على الرسالتين في الأرشيف الخاص لأحد مدرّسي العبرية، ياهيئيل بوسكيلة (Yehael Bouskila)، الذي كان يقطن بالدار البيضاء، وكذلك من خلال رسالة كان قد بعث بها تنويري آخر، هو جاد كوهن (Gad Cohen)، إلى الجمعية العالمية للغة والثقافة العبريتين (ברית עברית עלמית) بمدينة القدس في سبتمبر 1945، حيث تحدث عن الرسالة الأولى وأرفق نسخة منها.

باعتباره من كتّاب الطوباويات، أراد أبطــان من خلال أعماله أن يشخص عيوب المجتمع الإنساني القائم، وأن يطوّر تصورا أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، يصوغه كيوتوبيا يتم العمل على تحقيقها على أرض الواقع. قام في مستهل أعماله بعرض الأبعاد الثلاثة التي يعتبرها مسؤولة عن جرّ المجتمع البشري إلى حالة من الحرب الدائمة التي تعتبر الحرب العالمية الثانية أوج أوارها، ألا وهي: بُعد أنانية الأنسان، وبعد التديّن، وبُعد القومية. ويمكن أن نرى في هذه الأبعاد الثلاثة امتدادا متصلا لما هو متأصل في الطبيعة البشرية من خلال الديانات التوحيدية التي يتمثل صلبها في الإيمان بإله واحد، لكنه إيمان يؤدي في نفس الوقت إلى تقوية وتأجيج أوجه الخلاف بين المؤمنين بتلك الماهية الإلهية التوحيدية وينتهي بالإفضاء إلى القومية، هذه الظاهرة العصرية التي تواصل تعميق التفريق بين بني البشر الأرض إلى فرق فرعية إضافية.

ولقد بلور أبطـّان صيغة حلين رئيسييـن لتجاوز حالة تعاسة الإنسان: (أ) إقامة مجتمع عالمي جديد تقوده سلطة حكومية أممية، (ب) إعادة رسم معالم "إنسان جديد".

وقبل أن يتم تشكيل الحكومة الأممية يرى أبطـّـان أنه يتعين تحديد مكانها، مكان يجمع ممثلي شعوب العالم ومفكريه لقيادة العالم بأسره، بدون أي تفضيل في المعاملة للأمة التي تنتدبهم. ولكي يكون بإمكان تلك الحكومة أن تعمل، يتعين إقامة سجل حالة مدنية مُـعَولم، ويتعين إزالة الحدود والجدران الفاصلة بين البلدان، وتجريد كافة الأمم من السلاح (نصيب من تلك الاسلحة يتعين أن توضع تحت تصرف الحكومة العالمية والباقي يتم إتلافه)؛ كما يتعين إصدار عُملة واحدة للتعامل العالمي والتخلي عن كافة الأعلام الوطنية ورفع علم أممي وحيد ذي لون أزرق، لون السماء (انظر هــــنــــا) واعتماد لغة واحدة سهلة لتستعملها الشعوب كافة. (2)

ولقد رسم المؤلف كذلك خطة يتم تنزيلها بعد إقامة الحكومة الأممية الجديدة قصد تحسين ظروف الحياة للجميع. وتتمثل هذه الخطة في العمل على تشييد المصانع وتطوير التكنولوجيا الزراعية (وعلى الأخص تحلية مياه البحار والهندسة الجينية) وإقامة البنيات التحتية وغير ذلك.

ومن أجل خلق "إنسان جديد" من شأن نجاحه أن يحقق اليوتوبيا الموصوفة، قدّم أبطـّـان خطة مفصلة للتربية والتعليم تشكل إلزامية التعليم صُلبها "بدون تمييز بين الذكر والأنثى ولا بين الابيض والأسود". ويتعين أن تَستعمل المدرسةُ اللغةَ العالمية الجديدة، وأن تقوم المناهج والمقررات في كافة المدارس على أسس أربعة هي: (أ) نمط حياة صحي سليم جسميا وعقليا، (ب) محبة الشريك في الإنسانية، (ج) الحكمة والدرس العلمي، (د) الإيمان بالواحد الأحد.

 

فمن أين يا ترى استلهم ابطـّـان تلك الأفكار التي بثها في غضون أعماله؟ فالأجندة الاجتماعية لـ"عالم جديد" يقوده المفكرون تذكر بـ"المدينة الفاضلة" لافلاطون في كتاب "الجمهورية". كما أن أفكار "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، التي كانت تُدرّس في المدارس العليا لمدارس الرابطة اليهودية العالمية (Alliance Israélite Universelle) بالمغرب،(3) أفكار تترائى من خلال بعض الرؤى الاشتراكية لأبطـّـان. ثم أن مقاربته للمسالة التربوية تذكر بأعمال نافتالي هيرز ويسلي (Naphtali Hirz Wessly ) דברי שלום ואמת ("كلام الحقيقة السلام") التي تعود إلى 1782. كما أن فكرة إقامة سلطة حكومية أممية عالمية التي تشكل صلب رؤئة أبطـّـان، كان قد تم تطويرها في فترة ما بين الحربين ولكن جذورها تعود إلى 1795 من خلال مقالة عيمانويل كانط "السلم الدائمة" (4) أما التصور الديني لأبطـّـان، فهو أقرب ما يكون إلى تصور العقيدة البهائية، التي تتمحور حول الإيمان بالواحد الأحد وبوحدة الجنس البشري. أما المقاربة ذات النزعة الإنسانية من خلال الحلم بلغة جامعة عالمية، فتذكر بالهومارانيسمو (Homaranismo) والإيسبيرانطو (Esperanto) لدى لودفيك لازاروس زامنهوف (Ludwig Lazarus Zamenhof).

لكن مع كل ذلك، يتعذر معرفة ما إذا كان أبطـّـان قد اطلع بشكل مباشر أو غير مباشر على هذه الأفكار والأعمال، نظرا لكونه - على غرار بقية كتاب اليوتوبيات - لا يشير إلى المصادر. أما لغة كتابته، فهي اللغة العبرية الحديثة المتأثرة بالنصوص العبرانية القديمة والتي تتخللها مفردات من التوراة ومن اللغة الآرامية بشكل يُفصح عن ثقافته الربّية التلموذية.

 

لكن، وبالرغم من استعماله للغة العبرية، فإن أبطـّـان كان يتوقع أن اليهود التنويريين المغاربة سيجدون صعوبة في تقبّـّـل أعماله نظرا لكون معظمها ذا حمولة دينية تقليدية (باعتباره ربيّا). ولذلك، فلكي يمهد القارئ ويجعله مستعدا ذهنيا لتقبل أفكاره الثورية، قام ابطـّـان باستهلال أحد أعماله بهذا التنبيه:

"قبل أن تقدم على قراءة هذا العمل، اعمل على التخلص من كافة المواضعات والمشابهات، ثم اعمل بعد ذلك، بناء على مجرد ذكائك الفطري، على الحكم بمدى الصحة أو الخطإ".

 

لكن أفكار أبطـّـان صيغت وحررت في فترة كان قد أخذ فيها الشعور القومي اليهودي بالمغرب يتنامى، وهو ما جعل أفكاره غير مقبولة من طرف قراء العبرية الذين كانوا يرون أن تحقيقها من شأنه أن يؤدي إلى التخلي عن الدين وعن فكرة الوطن القومي.

 

نُــسخ نـــادرة

يبدو أن عدد النُسخ التي قام أبطان بطبعها من أعماله جد قليلة، وأن ما بقي منها أقلّ. ففي مجموع خزانات إسرائيل، ليس هناك سوى خمس نسخ من الرسالتين المذكورتين.(5) من الممكن أن تكون هناك نسخ أخرى متفرقة بين الخزانات الشخصية وأرشيفات اليهود الذين غادروا المغرب والذين قد لا يكونون واعين بتوفرهم على أعمال نادرة في حوزتهم. ولذلك فقد آن الأوان لنشر الأعمال اليوطوبية لمخلوف ابطـّـان بما فيها تلك التي لم تطبع قط. إن من شأن إضافة تلك الأعمال إلى رفوف الأدبيات اليوطوبية بصفة عامة، واليوطويبيات العبرية بصفة خاصة ، أن يمكّن عُشاق اليوطوبيات والمتخصصين فيها كنوع أدبي، أن يطلعوا على رُؤى مخلوف أبطـّـان. كما أن من شأن ذلك أن يُطلع الدارسين والباحثين في موضوع يهود البلاد العربية والإسلامية وفي باب اليهود المغاربة على تلك الاعمال الباهرة. كما أن من شأن نشر تلك الأعمال أن تبلغ أفكار أبطـّــان إلى قراء أيامنا هذه وقراء الأجيال القادمة على أمل أن تعمل تلك الأجيال على تفعيل تلك الرؤى التي تظل ذات راهنية بالنسبة لأيامنا هذه؛ ذلك أنه قد كتب هو بنفسه في مستهل أحدى كتاباته مايلي:

"... وحتى إذا ما قُدّر لهذه الرؤى أن لا تتحقق في زماننا هذا، فمن ذا الذي يدري ما إذا لن يكون بالإمكان لها أن تشكل بداية وعيٍ قادم للنوع البشري سيظهر ذات زمن من أزمنة هذا الوجود التاريخي الطويل، فينهض الناس لتحقيق مضامينها؟ ذلك لأنه ذاك هو ما يحصل دائما لكل أوجه الحكمة والعلم، التي تبدو في بداياتها غريبة في أعين الجميع، وتنتهي بحيازة رضى الجميع في نهاية الأمر".

--------

ولقد نظمت مؤخرا الشاعرة، أرليط مينصار (ארלט מינצר)، مقطوعة شعرية للتشبُّـثٍ بالأمل في غمرة بشاعات الجيل الراهن، وذلك بعنوان "كلمة مخلوف أبطـّان" (انظر هــــنـــــا)؛ وهي قصيدة تُدرج الشاعرة من خلالها يوتوبيا مخلوف أبطـّان  في عداد رُؤى ونبوءات أمثال النبي ياشاعيا (ישעיהו הנביא)

----------------

 

هوامش المترجم

(1) "ابطـّــان" اسم عائلي لكثير من الأسر المغربية، اليهودية منها على الخصوص. له عدة صور إملائية في الحالة المدنية (Abettan, Abttan, Bettan, Abittan, Bittan). تمّ اختلاق كثير من التخريجات التخمينية لتفسير التسمية (انظر هـــنـــا)؛ غير أن الأمر يتعلق ببساطة بتسمية من أسامي الحِرَف التي عُرفت بها كثير من الأسر المغربية اليهودية، مثل "اصرّاف"، "اعطـّـار"، "النجّار"، "الصيّاغ"، "الصبّاغ". والتسمية في هذه الحالة من أصل أمازيغي وتعني: "المتاجر في الجلود". فـ/ابضان/ بالأمازيغية يعني "الجلد المسلوخ"، و/ابطـّـان/ على وزن /افعّال/ يعني "صاحب الجلود" (الضاد الأمازيغية، في حالة التشديد الصرفي، تصبح طاء في اللفظ، كما في /رضل/ "أعار/اقترض" في مقابل /ارطـّـال/ "إعارة/اقتراض").

 

(2) أفيتعلق الأمر اليوم بما يسمى بـ Basic English ("الأنجليزية الأساسية")؟

 

(3) تم تأسيس أول مدرسة من مدارس الرابطة اليهودية العالمية بمدينة تطوان في دسيمبر سنة 1862 ثم توسعت خارطتها إلى بقية المدن المغربية وحتى بعض القرى النائية مثل إيليغ وأولاد برحيل وغيرها.

 

(4) بخصوص فكرة الهئية الأممية، انظر كذلك المقترح السابع من مقترحات كانط (ص: 35-40) من:

KANT. La philosophie de l’histoire. Les origines de la pensée de Hegel. Mediations. Denoel/Gonthier. Editions Montaigne 1947. Paris.

 

(5) انظر صور أغلفة بعض تلك النسخ في الموقع الذي فيه نشر النص العبري الأصلي للترجمة العربية الحالية (هــــنــــا)

-------------------------------

 

محمد المدلاوي

 //orbinah.blog4ever.com/m-elmedlaoui-publications-academiques

 

 

 



26/04/2016
2 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 182 autres membres