OrBinah

(En Arabe) Lecture physionomique de la protestation au Maroc en 2011 et 2017

قـــــراءةُ فِراسةٍ في ملامح حركة الاحتجاج بالمغرب

لسنتي 2011، و 2017

 


حتّى لا يتم الضياع في "منطق" آلــــــــيـــــــــة تجلـّي حركيّـة الأمور والأحداث على السطح، في غفلة عن آلــيــة وحالة مُــــــحــــرّك الحركة، وعن اتــــــــــجــــــــاه تلك الحركة في رسمها البياني العامّ، يتعين تبيُّـنُ بعض الأبعاد التي لها دلالـــــــةٌ جــــوهريــــة. تلك الدلالة الجوهرية تُستفاد من تفحّص نــــــوعيّـــــة واتـــــجــــاه الديناميات معروضةً على شكل رسومات بيانية على محــــــــــــور الزمـــــــن؛ ولا تُستفاد من تسجيل وتأمّل نقطة من النقط على ذلك المحور.

 

ما تــــــمّ وما لم يتـــــــــمّ


ليس هنالك اليوم عاقل متعقّـل بإمكانه أن يماحك في أن أشـــــــواطا عـــــملاقــــة تفصل مغرب اليوم عن مغرب الأمس في جميع المجالات السوسيو-اقتصادية الأساسية، بما في ذلك في باب إيلاء الأولوية لمعالجة الاخـــــتــــلالات الجهوية وعلى الأخص في جـــــــــهــــــات الشــــــــمـــــال بالضبط التي استأثرت اليوم بالاهتمام؛ وكذلك على الصعيد السوسيو-ثقافي، ومقاربة النوع الاجتماعي، والحريات الفردية والجماعية كما يبين ذلك الشارع من جهة ومضـــــاميــــن تعابير الأفراد في الصحافة والمواقع الاجتماعية ونوعية وعيـــــنيـّـــة المواضيع المتناولة من جهة ثانية؛ وأخيرا على صعيد القوانين والمؤسسات، على الأقل من حيث النصوص في بعض الأحيان.

المعضلة الأساسية التي تزيد سوى تعقدا ولا يزداد قطاعها إلّا تدهورا وتفسخا، والتي هي المــــــؤشر الجـــــوهــــــري للاتجاهات البعيدة لحركية المجتمع والتي تُعتبر كثيرٌ من أوجه اختلالاته الحالية عبارة عن نتيــــجة من نتــــائجـــــها في تضافرها مع أسباب أخرى بقطاعات وعلى مستويات أخرى، هي معضلة التـــــربيــــــة والتعــليــــم. إنها معضلة تتداخل فيها مسؤوليات جــــــميــــع الفـــــرقــــاء عبر عشريات مضت، من مؤسسة الدولة بحكوماتها المتعاقبة إلى التشكيلات السياسية والمنظمات النقابية، وإلى المجتمع بأسره من خلال الأسرة. هذه المعضلة، التي كان أصلها حسابات أيــــــديولـــــوجيـــة ثم خضعت معالجتها لسلسلة من المــــزايـــــدات السياسوية والتـــــرقيــــعـــات المزاجية، لم تـتـبلور بعد إرادةٌ لرسم خطة جــــذريـــــة لتــــثويـــــرها تـــــثويــــرا تاريخيا، بعيدا عن منطق الاســــترضـــــــاءات مهما كان الطرفُ المُسترضَى (انظر هــــنــــا). أضف إلى ذلك آفتا الإرشاء والارتشاء، والأفلات من العقاب في علاقة ذلك بـــمنظومة العدالة، وهما وجهان ذوا أبعاد سوسيو-ثقافية عامة بدورهما، وليسا مـجــرد مسالة خطط تدبيرية من خطط الدولة عبر حكوماتها على سبيل الحصر.

 

القوى السوسيو-سياسية الجديدة في الساحة


 لكن ليس هناك أيضا من متعقّل يمكن أن يماحك في أن ما آلت إليه ســــوسيولوجيـــــا القوى السيــــاسيــــــة، التقليدية، زعامةً وهيكلةً وبرامجَ وممارساتٍ، قد جعل تــعبيـــــــرات أخرى جـــــديـــــدة للعمل السياسي في السنوات القليلة الأخيرة هي التي واكبت ما تحقق من تلك الخطوات العملاقة على الأصعدة المذكورة فكانت فـــاعــــلا مُـــــــــعـجـّــــــلا بآخر منجزاتها على مستوى المؤسسات.
 تلك القوة الجديدة هي، لحد الآن، قـــــــــوة "الشــــــــــارع"، بكل أوجه عــــــدم التـــجـــــانس الأيديولوجي الذي يطبعها. ذلك الشارع الذي يمكن تلخيصه بشكل اختزالي في ظهور قوة أســــاسيــــة جـــديـــدة فاعلة، كنتيجة من نتائج الاختـــــــلالات الجـــــهويــــــة بالضبط، بما تولـّد عنها، على المستوى الديموغرافي، من "بـــدْونــــة" و"تــــرييـــــف" حواضر المركز المحظوظ، وولوج تلك القوة بسبب وبفضله ذلك إلى فضـــــــاء المشــــــهــوديــــة وتنـــــــــاول الكلــــــــــمة في ذلك الفضاء. وقد ساعد على كل ذلك وقوّاه الواقعُ الجديد لقــــــــنوات التواصــــــل الحدـــيثــــــة التي خلفت القنوات التقليدية من قنوات خلوية، وصحفية متحكّم فيهما، ومن شفهية مباشرة.
 تلك القوة تجلت وعبرت عن نفسها في مـــظــــــهريــــن ثقــــــافييـــــن وأيديـــولوجيــــين هما من معطيات الساعة على صعيد العالم وعلى صعيد المحيطين الأقليميــين، وهما معا ذوا طبــيـــــعة هــــويـــــاتيــــة على صعيدين مختلفين. كان يبدو أن ذينك المظهرين، في تجليهما بالمغرب، مظهران مــــتناقضـــــان متنـــــافيــــان، حتى إن البعض كان يراهن على أن يُــــحيّــــد بعضهما بعضا فيـــــتـــلاشيـــان استنزافا بفعل تضافر التناقض الذاتي من جهة مع الاستخدامات الموضوعية الممكنة من جهة ثانية. غير أن ذينك الشكلين ما لبثا، بحكم ما سبقت الإشارة إليه من أصول سوسيو-اقتصادية وجهوية واحدة ما تزال فاعلة، أن أخذا يــــــلتـقيـــــــــان موضـــوعيـــا في الميــــدان.

 

أشكال تجلـّي القوى السوسيو-سياسية الجديدة

 

وقد بدأ يتجلى الالتقاء الشكلي لذينك المظهرين التعبيرين منذ احتجاجات 2011، ثم زاد في احتجاجات اليوم 2017، على أساس أن دينامية مــــواجــــهــــة التناقض الرئيسي تُرجئ  مؤقتا مـــهـمــــة فضّ وحــــســــم التناقض الثانوي لفائدة هذا الطرف أو ذاك. ولذلك يتعين على العقل أخذ تلك القوة في مجملها بعين الاعتبار وعلى ما هي عليه من حيث جوهر وظيفتها السوسيو-سياسية وتطور أشكالها التعبيرية الجديدة، وليس كمجرد عــــبـــث سوسيو-سياسي غير معقول باعتبار أنْ "لا معنى له من الناحية السياسية المؤسسية".

من ناحية الشكل، اختلفت احتجاجات 2011 عن مثيلاتها لسنة 2017 من حيث أن الأولى كانت قد بدت، بحكم الظرفية التي ركبتها للتعبير عن نفسها، كما لو أنها مجرد مسايرة لريح ما تم إدراجُها فيه في الأذهان حتى على مستوى التسمية، أي ما عرف بـ"حراك الربيع العربي". كما أن احتجاجات 2011 قد تميزت بطابعها الوطني العام نشوئيا، من حيث انها انطلقت من المركز أولا قبل أن تنعكس في بعض الأطراف لاحقا، وكذلك من حيث افتقادها لأي زعامة ميدانية مشخصنة مشهودة ومشهرة إشهارا يشكل رمزا أيقونيا ميدياتيا للحركة؛ بينما كان العكس تماما في ما يخص النقطتين معا (المنطلق، والزعامة) هو ما طبع احتجاجات 2017 طيلة أشهر من انطلاقها.

غير أمه يبدو أن مسيرة الرباط ليوم الأحد 11 يونيو 2017 قد أتت لتعيد الأمور إلى "نصابها" على مستوى الشكل من جديد: أيْ إعادة الطابع الوطني العام من جديد للحركة كما كانت عليه في 2011، وتجريدها كذلك من أيـــــقونــــة الزعـــــامـــــة المــشخـــــصنــــة، التي يسهل استردادها واحتوائها بـ"الحوار المباشر" الذي لا تقبل بأقل منه حسب ما كان يتكرر في خطابها، ذلك البُعد الأيقوني الذي كان آخر ظهور مدياتي له قد تمّ في مسجد من المساجد بالحسيمة؛ ولذلك دلالة ورمزية عميقتان تستحقان التأمل.

هذه الإعادة لصياغة الملامح الوطنية للحركة تندرج دائما في إطار التحولات الكبرى التي أسفرت عنها الاختلالات الجهوية على مستوى رقعة الوطن ككل خلال قرن من الزمن (منذ عقد الحماية وخلال بناء دولة الاستقلال) وما تولد عن ذلك من تحولات سوسيو-ديموغرافية في بنيات الحواضر في علاقتها الاقتصادية والثقافية والبشرية بعالم الجبال والبوادي في السهول والصحراء (التفصيل، هــــنــــا).

 

مدى وعي مؤسسة الدولة بجوهر طبيعة الاحتجاجات

 

وأخيرا، يبــــــدو أن الدولة قد توفرت اليوم على تــشخيـــــص صـــــحيـــــح للوضع، على الأقل على مستوى التصور. ذلك ما يعكسه البرنامج الحكومي الذي خرج فجأة في ابريل الماضي (2017) إلى حيز الوجود في ظرف قياسي بعد ستة أشهر من الاحتباس والتعطيل بسبب مفاوضات ومناورات تشكيل الحكومة في الوقت الذي كانت فيه حركة الاحتجاج تتأجج وتنتظم ويزيد في تأججها مفعول تلك المفاوضات وتلك المناورات.
 إن قراءة هادئة لهذا البرنامج، وبقطع النظر عمّا إذا كانت ستوفر حظوظ سياسية لتفعيله، ولو في جُله على الأقل، لمن شأنها أن تبيّن بالملموس أن التشخيص المذكور تشخيص حاضر في التصور السياسي. لكن، كيفما كانت الحظوظ السياسية على مستوى تماسك وفعالية الحكومة، فإن الإنــــــجـــــــاز، مهما كان قدْره، لا يمكن أن يـتـمّ خـــــــــــــــــــــــارج محور الزمـــــــــــــــــن. ومن يلغي بُعد الزمن في تقديره، فأمره أمرٌ آخر. وهذا رابط نحو نص يلخص ذلك البرنامج (هـــنـــــا).  



14/06/2017
0 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 182 autres membres