OrBinah

(En Arabe) L’argument religieux. Du discours de l'Islam politique au discours intellectuel sur l'éthique; à la suite du clash entre N. Zafzafi et A. Assid, deux leaders du mouvement amazighe

العقل الأخلاقي ما بين المعــقول والمقــول

(على هامش التطور الأخير لخطاب الاحتجاج في الحسيمة)

 

 

ظرفيات النص وتقــــديـم موضوعه

على إثر واقعة اقتحام متزعم حركة الاحتجاج بالحسيمة، السيد ناصر الزفزافي، يوم الجمعة 26 ماي 2017 لمسجد بالمدينة، ومقاطعته للخطيب وتقريعه له وخطبته المضادّة في المصلين، التي كرّر فيها استشهادات بما أسندته الأدبيات إلى الخليفة عمر بن الخطاب، تغوّلتْ عليّ من جديد فكرة على شكل تساؤلات في باب أنواع الفكر الأخلاقي كما يعكسه المنطق الاستدلالي للخطاب الإقناعي. وقد سبق لي أن صغت تلك التساؤلات في كتاب واكب بأسئلته دينامية 2011 في المغرب؛ وكان جاهزا للطبع منذ سنة 2012 حيث تمّ قبوله في حينه للنشر من طرف المعهد الجامعي للبحث العلمي، لكن ذلك تعثر؛ وهو كتاب بعنوان "مساءلة البداهات، من خلال مفاهيم وقضايا بمغرب الإصلاحات" (انظر تقديما للكتاب هــــــنــــا).

تتلخص التساؤلات المشار إليها، وهي أسئلة تقليدية في الحقيقة، في ما إذا كانت قضايا أخــــلاق سَــوْس المــــدينـــة تتجاوز قدرة العقل، من حيث اعتباره عاجزا عن إدراك جوهر الفضيلة القارّ، و/أو عن تصوّر أشكالِها المناسة في مرة لمعطيات الزمان والمكان؛ أي ما إذا ذلك الجوهر وتلك الأشكال تنتمي، بطبيعتها، إلى عالم خارج عن دائرة العـــقـــل الحــــيّ المنخرط في شأن المدينة انخراطا معيــــشا حيّــــا؛ فيتعيّن حالـئذٍ استلهام الفصلِ في تلك الأمور دائما، وفي كل جيــل، من عــــقــــول أجيال ولـّـت وولـّت ظرفيات أزمنتها، عقول أجيال سبق أن تعاملت بدورها مع تلك الأمور بنفس المنهج القائم على أساس استلهام قـيــم أخلاق المدينة وتفعيلها في المدينة كما هي قائمة في الواقع من المرويات، وذلك من خلال استخدام وتأويل ما أسنَدت روايات الأدبيات للأجيال السالفة من أقوال و/أو أفعال. لقد تغولت عليّ ذلك القبيل من التساؤل من جديد على إثر الواقعة المذكورة باعتبار أوجهها الآتية.

 

مثال المسألة الأمازيغية

كثير من الناس قد أدركوا (اليوم على الأقل، وليس أمسِ) أن لما يجري في الحسيمة، وفي مناطق الريف عامة وأماكن أخرى شبيهة بها، أبعادا متعددة ومتداخلة، يعدّ الخطابُ حول أحدها عبارة عن تعبير ملائم ظرفيا عن مجملها وجُماعها. ومن المعروف اليوم كذلك أن من بين تلك الأبعاد، وعلى رأسها وفي مقدمتها البعدُ الثقافي بمعناه الواسع (من اللغة، إلى الأعراف، إلى الذاكرة الجهوية). ومن يقول "البعد الثقافي" في ذلك السياق، يعني الثقافة الأمازيغية كما يُعبِّـر عنها خطاب الحركة الأمازيغية بمختلف تجلياته. ويعرف كذلك الناس من خلال أدبيات ذلك الخطاب مدى ربط منتجيه، في العشريتين الأخيرتين، للمطالب الأمازيغية بقيم "الفكر الحقوقي الكوني" في إطار ما يسمّى بـ"الحداثة" وبشكل ما يعبر عنه كثير من أولئك المنتجين بـ"العلمانية"، مصوغة أحيانا في شعارات ومواقف بالغة الاستفزاز بالنسبة لبعض القناعات، إلى درجة أنهم أصبحوا في مواجهة مباشرة جدّ عنيفة أحيانا بمنتجي الخطاب الديني ومروجيه من مختلف المشارب؛ حتى إن بعض الدعاة الدينيين قد فسّقوا وكفّروا بعض متزعّمي الخطاب الأمازيغي، مُحِلـّـين بذلك في شأن المسألة الأمازيغية عامة تُهَم "الكفر" أو "الردة" محلّ التهم القديمة، من قبيل "الظهير البربري** و"حفدة اليوطي" وغير ذلك (انظر تلخيصا هـــنـــــا، والتفصيل: هــــنـــــا حول تطور تلك التُهم).

فما الذي حدث إذن حتى أفضى خطابُ الحركة الاحتجاجية، ذاتِ الأبعاد المتداخلة التي يتزعمها السيد الزفزافي في جهة من الجهات، إفضاءً مفاجئا، وفي لحظة بلوغ المواجهة ذروتها، إلى خطاب في المسجد يُستشهد فيه، من أجل الإقناع والتعبئة، بما رُوي عن أحد الخلفاء الراشدين (عمر بن الخطاب)، بكل ما ينطوي عليه المــــقـــال من إحالات وإشارات قويّة باعتبار الموضوع/المواضيع والمـــــقــــام؟ بل إن الزفزافي كان قد دخل قبل أيام من ذلك في مواجهة شرسة عنيفة عن بُعد، وفي حشد خطابي كبير في الشارع، ضد ناشط أمازيغي آخر بارز، هو أحمد عصيد، مندّدا بقوة بربط هذا الأخير للحركة الثقافية الأمازيغية بالتنكر للإسلام حسب ما قال الزفزافي، ومستشهدا في هجومه العنيف عليه بآيات قرآنية يتلوها أمامَ الحشود بصوت تحميسي تهييجي كما هي طبيعة خطابات تعبئة الشارع، ومتّهما لعصيد، على المستوى السياسي المحض، بكونه عبارة عن "كركوز من كراكيز المخزن" منذ أن قبل الدخول إلى "ما يسمّى بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، راكبا على الثقافة الأمازيغية" (انظر هـــــنــــا

إن هذا القبيل من تطور مضامين الخطاب لأمرٌ جوهري، وليس  هينا عَرَضيا تافها؛ ويتعين إذن تفسيره، والعمل على فهم الآلية الذهنية التي أفضت إليه.

 

طبيعة المشكل على الصعيد العام سياسيا

إن الفرق بين حالتي ناصر الزفزافي وأحمد عصيد يتمثل في أن الأول أصبح في وضعية سوسيولوجية تطوّرت بسرعة إلى وضعية سوسيو-سياسية، اكتسبت معها المسألة الثقافية، عبر مسيرة تطوّر الأحوال الملموسة العامة للأجيال الأخيرة بالجهة، بعدا شعبيا جمعيا حقيقيا يخترق الفئات والأعمار من الجنـــسيـــــن، ولم تعُد همّا مقصورا على مجرّد نخبة مثقفة متزعمة لشريحة شبابية في مجملها. لقد أصبحت قوة سوسيو-سياسية فاعلة في الميدان على أرض الواقع اليومي، وعلى أعلى المستويات السياسية، وبلا منافس سياسي أو مدني آخر مهيكل في الميدان؛ فكان من الطبيعي لدى كل متزعم ميدانيّ لحركة من ذلك القبيل، ذي حسّ سياسي، في اللحظات التي يقدّر أنها حاسمة، أن يطوّر فيها خطابه بما يلزم من إشارات، بمقتضى ما يرى من حوله من قوىً يسعى إلى تحييد بعضها و/أو ألى كسب دعم أو تعاطف بعضها الآخر. ومن بين تلك القوى، إضافة إلى قوى أخرى في الحالة المعالجة هنا، هناك فئة عريضة من الجمهور، التي، وإن كانت تشاطر هموم الأعراف والعادات والمعنويات والخصوصيات الأمازيغية، فإنه يخترقها بعدٌ تديني قويّ، فيتعيّن إذن طمأنتها، بل والتلويح لها بأن الحركة حركتُها، وأنّ الزعامةَ زعامتُها.

هذا طبيعي في الفعل السياسي في اللحظات التي يقدر المقدِّر أنها حاسمة ("من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"). وهذا القبيل من التلويحات والإشارات هو ما أشار إليه أحمد عصيد (انظر هـــــنـــــا) من موقعه كمفكر ومحلـّـل يتزعم حركيّة نخبوية شبابية، وليس كزعيم ميداني لحركة ميدانية، وهو ما جرّ عليه سخط الزفزافي المشار إليه.

 

طبيعة المشكل على الصعيد العام فكريا

ذلك في ما يتعلق بمنطق التعامل مع الأفكار على مستوى الممارسة السياسية الميدانية المحتدمة. لكن الأمر يختلف في ما يتعلق بإنتاج الأفكار على مستوى إعمال الفكر إعمالا نظريا من طرف النخبة ونخبة النخبة، على درب تطوير فكر أخلاق المدينة، دون ارتهان برهانات الظرفيات السياسية وما تمليه من توافقات أو تحالفات مرحلية ولا مسايرة لرياح تقلبات الجمهور في فترة من الفترات. ذلك ما تمّ مثلا في حقبة ما عرف بـ"حركة فكر الأنوار" بأوروبا في القرنين 17 و 18، والذي دشنه أمثال سبينوزا، وجون لوك، ثم ديدرو وغيره من الفرنسيين في ميادين الأخلاق والجماليات والمعرفة. وكان من بين الإنجازات الفكرية لتلك الحركة الفكرية بناءُ منظومات نظرية وتعميمها على أوسع باللغات الحية الناشئة حينئذ كلغات عالمة جديدة أخذت تحلّ محل اللغة اللاتينية. تلك المنظومات تبيّن، من بين ما تبيّن، أن العقل قادر على إدراك جوهر الفضيلة القارّ، وعلى تصوّر أشكالِها المناسبة في كل فترة من الفترات لمعطيات الزمان والمكان، فيصوغُ تلك الأشكال في صورة قوانين عرفت بـ"الوضعية"، مرجعُها هو عقل الإنسان الحيّ المفكر الذي يعيش في محيطه الذي هو موضوع منظومات الأخلاق، منظومات تضع حدّا، من أجل خلاص الإنسان، للخلط بين ما بين دائرتي حرية الضمير الفردي من جهة، والحرية المرتبطة جدليا بالمسؤولية في حيز المدينة باعتباره فضاء للتعامل بين الناس من جهة ثانية.

ويبدو جليا أن هذا القبيل الأخير من الإنجاز لم يتمّ قط في الفضاء الواسع الذي هو فضاء المغرب، بالرغم من أن الفكر المغربي الحديث قد تبوأ الصدارة في محيطه في هذا الباب. ذلك أن الفكر المغربي الحديث، في أوجهه الغالبة التي حظيت بالانتشار الواسع، الذي هو في الحقيقة عبارة نــشــــــر تــــمّ من خارج دينامية الفكر نفسه في جدلية تبادلاته، قد نشأ محضونا أو مرتبطا على الأقل بالعمل السياسي المباشر ارتباطا مختلف الدرجات؛ فكانت حدود ذلك الفكر بسبب ذلك محكومة بإكراهات ذلك العمل السياسي وحساباته، بما في ذلك أحيانا أخذُ تقلبات رياح الجمهور بعين الاعتبار لتحقيق غايات العمل السياسي.

وفي هذا الاتجاه الأخير، نذكر، على سبيل المثال فقط، أنه، على إثر تصدّر حزب إسلامي (حزب العدالة والتنمية) لنتائج الانتخابات التشريعية فكُلف بمقتضى الدستور بتشكيل الحكومة، قد صدر سنة 2012 بيانُ "مراجعة" و"تحليل"، جدّ طويل ومطنب وصعب الاستيعاب، وحافل بالمصطلحات الغامضة، يحمل عنوان "بيان من أجل وحدة اليسار" ("أخبار اليوم: 9، 10 اكتوبر 2012). وهو بيان أقرب إلى نوع من "التوبة" منه إلى "النقد الذاتي" الذي هو المصطلح المريح في الأدبيات اليسارية. وهو بيان وقعه نخبة من المفكرين والمثقفين، لكن من بينهم كذلك بعض السياسيين الميدانيين.

الجديد في ذلك البيان باختصار، وبعد كل معاضلات اللفّ والدوران، هو الدعوة إلى ما أفرد له ذلك البيان قسما خاصا به بعنوان "في استدخال الشأن الديني"؛ وذلك على إثر صدمة ما عبرت عنه نتائج الانتخابات من انقلاب مزاج الشعب، ذلك الشعب الذي كان قد خرج في "حركة 20-فبراير" التي كان اليسار ومثقفوه ومفكروه يرون فيها ثـــــورةتحققها "الكتلة التاريخية" هذه المرة، وليس حزبا من أحزاب التنظيم الخلوي، ثورة كانوا قد جزموا بأن حظوظها قد تـبّـخرت منذ حين من الدهر، فإذا بها تلُوح في الأفق على غير ميعاد وعلى حين غرة (انظر نصا حول الأمر في حينه: مارس 2011 هــــنــــا)، فنطق لسان حالهم يصيح "هرمنا، هرمنا، هرمنا في انتظار هذه اللحظة التاريخية".

وإذ أحاطتهم نتائج الانتخابات عِلماً بالاتجاه الجديد الذي أصبحت عليه رياح الشعب، فقد انتهي البيان في هذا الباب إلى الخلاصة الآتية:

[[وقد آن أوان نتدارك هذا الإهمال الخطير لموضوع الدين، مما هو طاقــــــة اجتماعيــــة ورأسمال حـــــركي في الحياة العامة. وليس معنى ذلك أن على قُوى اليسار أن تلج مجال المنافسة على استخدام الدين في السياسة؛ وإنما عليها، من أجل الحدّ من هذا الاستخدام المفرط، أن تنشر في أوساطها وفي الجمهور الاجتماعي الأوسع ثقافة عقلانية وتنويرية في المسألة الدينية (هكذا !)]].

يفهم من كل هذا أن البيان، في هذا الباب، هو عبارة عن تـــنــظيــــر بَعديّ لما كان قد أصبح في الحقيقة سائدا منذ سنوات من استشهاد كثير من اليساريين والصحفيين بآيات أو أحاديث (غالبا ما يخلطون بين "آية"، و"حديث"، وبعض الأمثال والأقوال المأثورة) أو بأحكام فقهية لهذا الأمام أو ذاك من أجل دعم آرائهم السياسية وإقناع الناس بها.

 

الخلاصـــــــة

الخلاصة إذن هي أن الحركة الأمازيغة لم تكن هي السبّاقة، من خلال ما قام به ناصر الزفزافي مثلا، إلى فكرة "استدخال الدين" في السياسة، بما هو، أي الدين "طاقــــــةٌ اجتماعيــــة ورأسمال حـــــركي في الحياة العامة". الفرق يكمن فقط، في أن الزفزافي يمارس السياسة في أعلى مستوياتها بما أنه يعلن جهارا  وتكرارا في كل مناسبة أن الطرف الذي تواجهُـه حركته هو "المـــخـــــزن"، معتبرا كافة التنظيمات السياسية والمدنية الأخرى عبارة عن واجهات لذلك "المخزن"، فكان ذلك طبيعيا من حيث منطق السياسة. بينما البيان المذكور الذي ابتدع مصطلح "استدخال الدين" إلى جانب مصطلحات أخرى تـتـفيهيّة اطـّراحيّة مقعّرة اللفظ من قبيل "الوضعوية"، "العلموية"، "العلمانوية"، بيانٌ صادر عن مثقفين محسوبين على نخبة إنتاج الفكر وليس عن زعماء ممارسين منخرطين في حلبة التدافع السياسي العادي أو الضيق، ينتجون فيها الخطاب المناسب في تقديراتهم للمقام الذي يتدافعون فيه.

هذا الاتجاه الجديد لإنتاج الفكر الأخلاقي هو في الاعتبار جديد، لا من حيث كونه جديدا بالفعل، لكن فقط من حيث هو عــــــــــودة جديدة إلى منهج قديم، منهج يقوم على أساس أن العقل غير قادر على إدراك جوهر الفضيلة القارّ ولا على تصوّر أشكالِها المناسبة في كل حالة  لمعطيات الزمان والمكان، وأنه من أجل ذلك مُجبر على استلهام ذلك الجوهر وتلك الأشكال من "ماغما" (magma) وصُهارة غير متجانسة ومتضاربة من الأقوال المروية التي حازت مزية الإقناع بفضل مجرد انتمائها إلى أجيال الماضي.

 

في مثل هده الأحول، لا يُستغرب نقاشٌ بين "المفكرين" مثلا حول جواز وشروط مضاجعة الابن لوالدته مضاجعة نكاح (شرط "تغليف إحليله بقماش")، وذلك بما أن إماما من عيار أبي حنيفة قد روي عنه قـــــــــولٌ في ذلك (استمع إلى نقاش فكري حول الأخلاق هــــــنــــــا، واقرأ حوله هــــنـــــا وما شابهه)، وبما أن   العقل الفطري عاجز، بمحض قدراته الذاتية، عن التمييز بين الفضيلة والرذيلة في غياب قول من أقوال الأولين.

 

--------------------

 

**  تُهمة "الظهير البربري" التي استبطنها الكثير من الناس (بقطع النظر عن إثنياتهم ونوعية تكوينهم ولغاته) كعقد ميلاد لمسالة الثقافة الأمازيغية، غير مقصورة على الأمس ولا على العربوفونيين كما يعقتد الكثير (انظر هــنــــا نموذجا لتحيينها بتفصيل وبلغة موليير وبأسلوب "علمي تحليلي" غير خطابي في إطار من الفكر الحداثي ، في عز 2016).

  



04/06/2017
2 Poster un commentaire

Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 182 autres membres