(EN ARABE)-2 La capitale du Maroc au Moyen Orient? (à propos de la rupture avec l'Iran)

Si le texte arabe ci-dessous ne s'affiche pas correctement, aller  vers la barre de menu en haut de la page, cliquer sur le bouton AFFICHAGE puis sur CODAGE, puis sur PLUS, puis sur ARABE(Window)

                عاصمة المغرب الأقصى في جوف الشرق الأوسط؟

شكوى إلى صاحب سفر " التتياك السياسي "

(مارس 2001)

القسم-2

 

إن الراوي ـ وهو متعاطف مع هموم المقدسي في متاعبه ببرصة الرموز ـ ليدعو صاحب "التتياك"، المعروف في تاريخ الأدب المغربي بــ"ادريس الخورى"، الخبير في تتبع مهارة التتياك وأسراره، وخلفياته، وإلباساته ولبوساته والتباساته ـ بالرغم من أن هذا الخوري لا يـمارس، على ما يبدو لا "الرونضة" السياسوية، ولا "البيع والشراء" النضالي، ولا "المشكانبة" الاجتماعية، ولا مجرد العمليات الحسابـية بصفة عامة، بما في ذلك حساب القاعدة الثلاثية لاقـتـنـاص فرص الزبونية ـ كما شهد على ذلك محمد الهرادي يوما في حقه؛ إن المقدسي ليدعو هذا الخبير، الذي لا يعمل بخبرته، إلى إعادة زيارة هذا الفضاء المحسوب جغرافيا، وطوبوغرافيا، وعقاريا، على قلب العاصمة، وهو المتبرم (أي الخبير) في ســِـفـْـره من "هذا الزليج المستورد من منطقة لا تمت إلى الذاكرة المغربية وإلى التاريخ المغربي الحقيقي بصلة" (التتياك السياسي ص 21)، والمتضايق إلى درجة الهوس من جحافل المتسولين المحترفين الذين زحفوا على العاصمة و اكتسحوا مرافقها، محولين الفقر من حاجة يومية للقمة عيش إلى مقاولات تجارية يومية تدر دراهم معدة للادخار لا للنفقة (نفسه ، ص : 32) ويتعين أخذها بعين الإعتبار في إحصائيات التشغيل.

إن لهذا الكائن الأدبي المعروف بــ"الخوري" من ذكاء الحس وفطنة الملاحظة ما يجعله أكثر أهلية من الراوي، وأكثر اقتدارا منه، على تصوير العلاقة الشبهية الممكن قيامها ما بين مقاولات أولـئك المتسولين المحترفين للتسول في واضحة النهار دون تغليف شعاري، و"الذين يدخن بعضهم مارل- بورو" (نفسه ، ص : 36)، وبين مقاولات بعض الكائنات الانتخابية أو بعض الموجودات الإدارية التي تقوم بـ"تتياك" أوراق خيرات هذا البلد المادية والمعنوية، وبـ"تتياك" رموز سيادته وذاكرته، فـــ"تضمس" الكل "ضمسا" في لفة من الشعارات لتشتري بما "تيـّكـَتْ" وما "ضمست" ثمنا قليلا في برصات الشرق أو الغرب. فإذا كان جيل الــﮕلاوي والبغدادي قد حوّل كل ساحات المغرب، ومؤسساته، وأزقته، إلى مجرد لافتات تذكراية لطوابير قباطنة وجنرالات سلطة كانت تشهر استعماريتها في وضح النهار باسم عقدٍ للحماية جرى حسب قوانين الاتفاقيات الدولية، فإن نخبة معينة تعمل اليوم في نوع من "التتياك" و"الضمس" على تفويت مقومات الوعي المغربي باسم شعار أخوّة غير متكافئة العلاقات ومـِـن شأنها أن تصبح حـِجرا وحماية مقنـّعة حينما يراد لها أن تتم على أساس امحاء شخصية أحد طرفي الأخـُوة.  إن من شأن هذا الحـِـجر أن يتم حينما يفترض  أحد الطرفين بأن ذلك اللاتكافؤ الرمزي حقٌّ مستحق له، ومكسبٌ مؤدى عنه عبر برصة الذمم وسوق قوة المال، فــيعتقــِـد الطرف الآخر، بفعل تربية استلابية، بأن الولاء ورهن الذمم هو مسلك المريد نحو الخلاص وتجاوز عقدة الدونية العصابية.

 

            إن الراوي ليدعو صاحب التتياك إلى أن يبسط أمام عينيه الساخرتين خارطة قلب العاصمة كما تبسُط قارئة أسهم السعد والنحس أوراقَ "الكارطة" على خمارها بـأرضية "جامع الفـنا" الذي ما يزال يقاوم زحف رموز الفناء، وأن يثبت على تلك الخارطة لافتات بـأسماء الأزقة كما هي في اللوحات، من القاهرة إلى تهامة إلى حلب ثم زحلة مرور بــكربلا، وأن "يضمس" جــُماع لافتاته تلك "ضمسا" ـ ثم يعيد نثرها نثرا لعله يقرأ بنظرته المجدوبية حجمَ الطمس الذي يحبل به "تتياكُ" الأيام في زمن مغربي تبيع فيه كائناته الباهتة روحها وميراثها لمن يدفع أكثر، أو لمن يخطب أكثر.

 

            عادا المقدسي إلى قدسه الوهميـة   بعد هذه الأوديسا الكابوسية والكوشمارية في فضاءات الانسلاخ. فهل تدعّم إحساسُ المواطنة لديه بالنهل من رمزيات فضاء قلب العاصمة؟ كل ما تأكد لديه هو أن الإشباع الرمزي لإحساس المواطنة لا يقوم فقط بضمان الحريات، والشغل، والحاجيات الأساسية، وتكافؤ الفرص ... إلخ، كما يعتقد ذلك على سبيل الوهم من يفسر مثلا ظاهرة "الحراﮔة" بمجرد البحث عن العمل. إن بناء الثقة لدى الأجيال يتقرر كذلك، وبالخصوص، بطبيعة ما يؤثث فضاءها الرمزي من رمزيات مرجعية هي أساس بناء شخصية الفرد إما كشخصية مركزية حرة مستقلة ذات إقدام، و إما كشخصية هامشية تابعة ومتقاعسة ينخرها الشك فلا تقوم إلا محتمية بمن يسند إليها أدوارا وظيفية. لو لم يكن الأمر كذلك - حسب رأي المقدسي- لما شمل "الحريــﮓ" أطرا تهجر عملها، المحترم في جوهره، لتلتحق بفضاءات أخرى ولو لتقوم فيها بوظيفة "السخرة" ما دام قد ترسخ لديها من خلال التربية، والإعلام، والأدب، والمعمار، والتاريخ، والطولونيميا، بأن الكمال يكمن في التخلص من كل ما هو مغربي بلدي، وما دامت هجرة "الحريـﮓ" قد دشنها أولئك الذين 'حرﮔوا' بأذهانهم وبـمضامين خطابهم حـتى جعلوا المواطن يشعر بأنه مجرد قاطن في فضاء بلقعٍ مواتٍ استعمرته الرموز الوافدة وغزته الشعارات المستوردة فمحت فيه عزة العباد وشموخ البلاد التي أصبحت فضاء إيالة بالقوة وبمقتضى العرف تتنافس بؤر القوة للكيانت ذات الشخصية المركزية على تملكه بالفعل باسم هذه الأممية أو تلك. ونقيصة "الحريكَـ" الذهني هذه قديمة ومتأصلة في تاريخ أهل شمال إفريقيا عامة، الأمازيغ المازغة منهم والمستمزغة، أي الذين تعربوا عبر الأجيال من خلال حركية سوسيو-لسانية ما تزال سارية كما تشهد بذلك العلاقات اللغوية ما بين الآباء الأمازيغيي اللسان وذريتهم لهذا الجيل؛ ذلك أن من الخصائص الاثنو-ثقافية لهذه الأقوام أنها بالرغم من تميزها في في فترات كثيرة بالإنتاج في باب العلوم الرياضية والفلسفبة والطبيعية والاجتماعية واللغوية، فإنها تكتفي بالاقتراض والاستهلاك  في باب الأيديولوجية؛ فهي لا تنتج في هذا الباب. وكلما اقترضت نظاما أيديولوجيا من الخارج تقوم بتطويره لتتخذ منه أداة لتقويض كيانات قديمة وإقامة أخرى مكانها لتدخل من جديد في مسيرة شدّ الحبل مع مصدر الاقتراض. وكان هذا "الحريكَـ" الذهني يعرف في أدبيات بلاد المغرب في القرون الإسلامية السالفة  بمصطلح "التشريق"، وكان أولو أمرالدول القائمة يولون تلك الظاهرة عناية خاصة ويدخلونها في حساب خططهم الأمنية.

 

إعادة تحريك الدعوى بمناسبة المهارشة المغربية-الإيرانية.

 

وإذ كانت مناسبة إعادة تحريك هذه الدعوى التي رفضت تقبلها المنابرالمعنية  في حين رفعها (2001) تتمثل فيما حصل أخيرا من قطع المغرب لعلاقاته الديبلوماسية مع القوة الجهوية الإيرانية التي تبحث لها عن مزيد من الإيالات على رقعة النفوذ الكلاسيكية المرسومة حدودها مند عهد الإسكندر (من السند إلى أعمدة هرقل)، فيتعين التذكير، على سبيل الاعتبار من ثوابت التاريخ، بأن أول قوة أيديولوجية كان قد تصدى لها ابن" سوق هراس" المغاربية، القديس أغوسطين، حينما كان يضع أسس صرح عقيدة التوحيد المسيحية في القرن الخامس للميلاد انطلاقا من شمال إفريقيا-روما، هي قوة اللمذهب المانوي الفارسي القائم على ثنائية إلهي الخير والشر، والذي امتد حينئذ إلى المنطقة المسماة اليوم بالمنطقة المغاربية وتجذر فيها؛ وما على من يريد التأكد من ذلك البعد التاريخي من أبعاد حركة نفوذ الأيديولوجيات في رقعة النفوذ المذكورة، إلا أن يعود إلى اعترافات القديس. وإذ أخذت اليوم بعض مراكز مرجعيات الولاء الستينية السبعينية تخفت في رقعة النفوذ الكلاسيكية المذكورة، فلا غرو أن تبادر القوة الإيرانية المنبعثة مع الثورة الخمينية إلى البحث لها من جديد عن موقع في الفضاءات التي ترسخت فيها ثقافة تقاليد الولاء للخارج باسم الأمميات، وذلك من خلال اتخاذ المذهب الشيعي أيديولوجية سياسية، وهو مذهب ورث بعضَ مظاهر الثنائية من المانوية من خلال موقع أقنوم "الشيطان" كقوة تكاد تمثل فيه شركا لله، وذلك كما كان  الكِـسرى شاهبور الأول قد اتخذ في القرن الثالث من المانوية أيديولوجية لبسط نفوذ امبراطوريته. وذلك لأن الطبيعة لا تقبل الفراغ؛ والفراغ إما أن يملأه  قيام كيان مركزي قوي في عين المكان عماده ثقافة استقلالية وشعور وطني جماعي مركزي، أو يملأه  حلول نفوذ خارجي ناهض محل نفوذ خارجي آخر مضمحل أو بائد. وقصة هذه الرقعة من العالم بالمغرب ككيان سياسي قديمة. فالمؤرخون يتذكرون موقف الدولة العباسية الأولى -  التى حملتها جيوش الفرس بقيادة إبي مسلم الخراساني إلى  بغداد -  من سعي المغرب إلى حيازة استقلاليته من خلال ملابسات قيام دولة الأدارسة (أنظر "الحقيقة الضائعة" لمصطفى العلوي. الأسبوع، 3/4/2009، ص:16). أما في عصرنا الحاضر - وبقطع النظر عن الظرفية الخاصة التي جعلت من فترة قوة حركتي البعث والناصرية  فترة تقارب بين ملك المغرب وشاه إيران - فإن جمهورية الخميني بادرت مند بداية إرساء هياكلها إلى البعث بوزير خارجيتها، علي أكبر ولاياتي، للقيام بزيارة تعاون إلى قادة البوليزاريو في مخيمات تيندوف سنة 1984 كما روى تفاصيل تلك الزيارة أحد من عايشها من الأسرى المغاربة في تيندوف، الطيار على نجاب (المساء، عدد 772، 16 مارس 2009؛  ص1). ناهيك عن تكثيف تبادل الزيارات السياسية الرفيعة المستوى في السنوات الأخيرة بين طهران والجزائر على خلفية سعي كل منهما لامتلاك الآلة النووية وللتنسيق على مستوى المصالح الجيو-سياسية. 

ويمكن إجمال أسباب ذلك التقارب المذكور بإيراد مقتطف ذي دلالة تاريخية من رسالة مفتوحة للسيد خالد الجامعي إلى الرئيس المصري حسني مبارك (الجريدة الأولى 288، 25 أبريل 2009)، وذلك بقطع النظر عن المضمون العام للرسالة الذي يتمثل بالضبط في مؤاخذة الرئيس على وطنيته المصرية في وجه النفوذ الإيراني من خلال حركة حزب الله وزعيمه حزر الله، وفي تبجيل لحكم عبد الناصر يشكل تناقضا مع ما افتتحت به رسالة توبيخ الرئيس حيث تقول:

 

" السيد الرئيس؛ أنا متيقن بـأنك لن تنسى تاريخا سيظل راسخا في ذاكرتك إلى الأبد. إنه تاريخ 20 أكتوبر 1963 حيث ألقي عليك القبض في جنوب المغرب وأنت لابس بذلة الميدان العسكرية، وعلى كتفيك رتبة عقيد مصري، وبصحبتك ضباط مصريون سامون بنفس رتبتك. (...). وهذه النازلة، كما تعلم وقعت خلال الحرب التي نشبت بين المغرب والجزائر عقب مهاجمة هذه الأخيرة لثكنة مغربية تابعة للقوات الاحتياطية المتحركة، وكنت أنت ضمن الألف جندي الذين أرسلهم رئيس بلادك لمؤازرة الجزائر ضد المغرب (...) ولخوض حرب على بلد لم يكن بين وطنك وبينه أي خلاف، زيادة على أنه كان يبعد عنه بعد المشرقين، أي بآلاف الكيلوميترات (...)".

 

ويمكن التساؤل بصفة عامة عما إذا كان الحلم الامبراطوري الذي كان يراود الشاه أحمد رضا بهلوي بدون التوفر على أيديولوجية فعالة ولا على عصبية متشببة حينما اختار أطلال العاصمة بيرسيبوليس التي أسسها داريوس الأكبر لتنظيم احتفالاته الأسطورية تخليدا لذكرى 2500 سنة لتأسيس الأمبراطورية الفارسية، قد توفر اليوم على دعامتيه الناقصتين، أي الأيديولوجية الشيعية التي أعادت لها الثورة الخمينية بُعدها السياسي وقـَوّاها التدخلُ الأمريكي الذي قوى الشيعة في العراق، والعصبية الفارسية التي ساعدت على تشبيبها حربُ صدام حسين على الثورة الخمينية، وبذلك تجتمع لإيران اليوم من جديدي عناصرُ الملك والرياسة حسب النظرية الخلدونية. 

 فإذ طورت اليوم اليوم الجمهوريةُ الإيرانية لنفسها ذراعين للنفوذ الإقليمي، من خلال حزب الله وحزب الحماس، اللذين شكلت أعلامهما يوم الأحد 4 يناير 2009 غابة كثيفة من دِرَفسات أنوشروان الخضراء والسوداء أمام مجلس نواب الأمة تتخللها صور حسن نصر الله زعيم حزب الله في نفس الرقعة التي تشكل أزقةُ الشرق الأوسط إحداثياتِها على رقعة عاصمة المغرب الأقصى يوم كانت المنايا مواثلُ في غزة التي اشترت القوى الإقليمية بدمائها ثمنا قليلا، والتي لم تتأهل القوى السياسية والفكرية المغربية في تأطير التضامن معها تحت شعارات لا تلغي جوهر البعد الوطني، في الوقت الذي كان المصريون مثلا ينادون جهارا بشعار "مصر قبل كل شيء" في نفس الوقت الذي كانوا يشغلون فيه آلتهم الديبلوماسية إلى أقصى قدرات محركها، فقد حقّ للملاحظ أن يتمثل بشأن مشهد العاصمة المغربية يوم ذاك بقول البحتري في سينيته المشهورة:

 والــمنـــأيـا مـــواثــــل وأنـــوشــــــــــــــروان يزجي الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على أصــــــــــــفــر يختــــال فـــي صبــيـــــغة ورس

 

فإذ ذاك جزع الموريون في المغرب الأقصى وفزعوا كما لو طاف عليهم طائف وهم نائمون. فالتشيع أو الشيوعية أو كل منظومة فكرية بصفة عامة لا تشكل أبدا مصدرا للريبة أو التضايق بالنسبة للدول والأمم الراسخة ما دامت مجرد نهج فكري ونمط خاص للتفكير وتصور العالم والوجود. أنما تصبح كذلك حينما تـُتخذ أسلوبا سياسيا وجيو-سياسيا للتعبئة التنظيمية من طرف كيان مؤسسي سياسي فعال في إطار تدافعات النفوذ. فكذلك كان شأن الشيوعية في بالنسبة للمعسكر الغربي الرأسمالي لما أصبحت أداة نفوذ في يد معسكر الثورة السوفياتية بعد أن كانت لعدة قرون من جان جاك روسو إلى كارل ماركس مجرد فلسفة، وكذلك أصبح شأن الإسلام بالنسبة للكعسكرين معا بعد قيام الثورة الخمينية وتفسخ النظام السوفياتي، وكذلك أصبح التشيع داخل دائرة الفضاء الإسلامي نفسه بعد أن أصبحت لهذه الثورة طموحات استراتيجية جهوية عمادها قوة نووية (انظر "العرب والبرنامج النووي الإيراني" لعبد الإله بلقزيز. المساء 5/4/2009، ص:7) وأذرع إقليمية من خلال حزب الله وحماس اللذين رابطا في رباط الفتح يوم الرابع من يناير 2009. ناهيك عن معطى ظرفي تاريخي يطبع الواقع المغربي من حيث أنه يحاول أن يعيد تدبير مسألة التعدد الثقافي واللغوي الذي طبع تاريخه باستمرار وفي ظله وبفضل فترات إحسان تدبيره ساهم بما ساهم به في ميادين الفكر والعلوم والعمران والسياسة ولكنه لم يفلح لحد الآن في إنتاج إطار أيديولوجي ملائم للمستجدات لإعادة تدبير ذلك التعدد حسب مقتضيات ومستحدات العصر، في حين أن كثيرا من أوجه الفكر الشيعي كان قد طور رؤى أصيلة في هذا المضمار قد تكون مستقطبة في هذه الظرفية وقابلة للاستغلال التناقضات الداخلية، ومغرية بالنسبة لبعض أطراف تلك التناقضات ممن لا تهمه الأبعاد المذهبية للتشيع ولا يحفل ظرفيا بالخلفيات السياسية للتشيع الذي لم يعد في هذه الظرفية مجرد فلسفة وفكر. ففي هذا الباب يقول الأمام المخفي صاحب "الرسالة الجامعة" مثلا ما يلي: "ولما كان من طبائع العجم ما هو موجودٌ في جِـبـلـّتـهم، مركوزٌ في خُـلـُقـهم، كالاحتراس من البرد (...) لبرود بلادهم، وما اعتاده من الدثار والغطاء والوطاء، وأكـْلِ الحارّ، مثلِ الثومِ والفلفلِ والعسلِ، صاروا غيرَ ممنوعين من استعمال ذلك في الحجاز إذا حجـّوا إلى البيت الحرام، ولا مأمورين بإزالة ذلك وكشفِ أبدانهم، والخروجِ عما اعتادوه وألفوه من لباسهم وطعامهم وشرابهم (...)؛ فلا يقال أن مُخالـَفة أهل خُراسان لأهلِ الحجاز في المَلبَس والمَطعَم والمَـشرب، إذا قضَوا ما يجب عليهم من فـَرض الحج، شرٌّ يوجِب لهم الذمَّ والخروجَ من الدين بسببه (...). وعلى هذا المثال وجبَ أن يكون كلُّ رسول بلسان قومه؛ وإن كان بخلاف لسانهم، وفي بلد دونَ بلدانهم، فإنه لا يتولى تأديبـَهم وتهذيبـَهم وتعليمَهم إلا بقوم منهم يدعونـَهم إليه ويدلـّونهم عليه".

 

أما العلل العميقة التي تجعل من كيان معين أو فضاء معين "حائطا قصيرا" أو موضوع "حُـكَرة"، واحتقار، واستسهال، إلى غير ذلك من النقائص التي انتبهت الديبلوماسية المغربية إلى أن إيران قد خصت المغرب دون غيره بها في هذا الوقت بالذات لتجعل منه عبرة للآخرين بشأن قوتها وجديتها، فهي علل أعمق على ما يبدو من بحر إمارة "البحرين" التي اختارت تلك الديبلوماسية أن تتخذ من أسلوب رسالة التضامن معها مروحة لتحريك النازلة؛ إنها علل ترتد في العمق إلى أمور رمزية من قبيل ما عرضت شكوى المدعى المجهول نموذجا عنه فيما يتعلق بالفضاءات الحضرية للعاصمة. وهناك نماذج أخرى كثيرة يمكن لمن يريد ذلك أن يعود إلى نصوص أخرى حول بعضها من خلال الروابط الالكترونية أسفله. ويبقى السؤال بعد كل هذا هو ما إذا كان الإقدام، في سافلة ما تفضي إليه الأمور العميقة، على قطع العلاقات الديبلوماسية بهذه السرعة والسهولة - أو ما اعتبرته بعض الصحافة المغربية نزوة أو أسلوب هُواة -  مع قوة إقليمية ناهضة أصبحت القوى العظمى تفضل في التعامل معها تقوية الديبلوماسية المصلحية والوظيفية بدل القطيعة التي سلكتها حتى اليوم (2009) هو الخطوة الأولى المناسبة في الطريق نحو تدعيم الشخصية وبناء صرح الثقة بالنفس التي تفرض الاحترام على الآخر، بدل أن يتم الانصراف إلى معالجة الأمور في عمقها وفي عاليتها التي منها تنصبّ بشكل طبيعي وبطيء. هذا سؤال وإن كان يبدو بأن  الديبلوماسية المغربية هي المسؤولة عن الإجابة عنه، يعني في الحقيقة كافة مؤسسات الأمة المغربية من تربوية-تععليمية وإعلامية و ثقافية .  ذلك لأنه – وعلى سبيل استطراد أخير – لا يتعلق أمر العطب بمجرد المقومات الفكرية للدبلوماسية المغربية الرسمية، التي لا تعدو، بمقتضى منطق الثقافة السائدة أن تترجم جوهر وروح الفكر والثقافة السائدين بفعل مضامين التربية؛ إذ هناك كذلك وزن بعض الأوساط المسماة بـ"المدنية" بشعاراتها الضاغطة في الشارع المغربي للعقود الأخيرة، والتي تتخذ أشكالا أكثر جدية من خلال تسربها إلى المؤسسات الرسمية. فعلى سبيل المثال، ومن الاتفاقات ذات الدلالة العميقة، حدث في الأسابيع الأخيرة (نحن الآن في ماررس 2009) أن وفدا برلمانيا مغربيا من طيف سياسي معين كان قد زار سفارة فنرويالا ليقدم تشكراته للزعيم هوجو تشافيس على طرده لسفير إسرائيل من بلاده تصفية لحساباته الخاصة مع الولايات المتحدة ومع الدولة العبرية راكبا على مآسي غزة، وذلك في نفس الوقت الذي كان فيه نفس ذلك الزعيم قد عين له سفيرا لدي البوليساريو فأقدم المغرب على إغلاق سفارته بفنزويلا يوم 15 يناير 2009 كرد دبلوماسي (انظر ركن "من صميم الأحداث" في الأحداث المغربية ع 3631؛ 19 يناير 2009؛ وانظر التعليق الرائع للمختار لغزيوي على ذلك الموقف في الصفحة الأخيرة من نفس العدد). ثم حدث أن وفدا من نفس الطيف السياسي لم يتردد اليوم في القيام بزيارة صداقة لطهران بعد حادثة "الحُكَـرة"، فكان بذلك في قلب العاصمة الإيرانية في نفس اللحظة التي كانت فيه الدبلوماسية الرسمية المغربية قد أعلنت قطع العلاقات الديبلوماسية مع إيران ("بعد أن أعلن المغرب قطع مع إيران، كان الإخوة يستعدون للرجوع"، حسب ما صرح به عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، كما أوردته أخبار اليوم؛ عدد 14؛ 17 مارس 2009؛ ص: 4). أما الخطوات الثقافية والاستعدادات الاستراتيجية التي أعقبت قطع العلاقات مع أيران فقد تمثلت من بين ما تمثلت فيه - في إطار ثقافة استراتيجية الدمغي والمزاج - في اختفاء اللغة الفارسية في خطاطة البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم؛ وفي ذلك مفارقة لا يضاهيها إلا إقدام إسرائيل باعتماد أشعار محمود درويش في المقررات الدراسية مباشرة بعد مفاجئة الانتفاضة، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر.

             وقد حرر هذا المقال العدلي في صيغته الأصلية، قبل الاستدراكات الظرفية، بقلم العبد الضعيف، محمد المدلاوي ـ المنبهي وبخط يده وترجمة برنامج حاسوبه، كما روى الراوي متـنـَها مرفوعا إلى مدّع مجهول؛ وعليـهما العهدة إلى يوم الدين، وكان ذلك بتاريخ فاتح محرم 1422 للهجرة الموافق والموازي في التقويم الكنسي لـسبع وعشرين خلون من مارس 2001 من ميلاد المسيح حسب زعم التاريخ الكنسي الذي لا يأخذ بعين الاعتبار لفائف قــُمران ولا كافة مخطوطات البحر الميت.

مقالات ذات صلة بالموضوع:  

http://orbinah.blog4ever.com/blog/lirarticle-162080-962550.html

 

http://orbinah.blog4ever.com/blog/lirarticle-162080-943814.html

 

http://orbinah.blog4ever.com/blog/lirarticle-162080-1051013.html

 



Article ajouté le 2009-03-13 , consulté 410 fois

Commentaires



Poster un commentaire





http://





Merci de recopier le nombre présent à gauche dans la case de texte ci-dessous ( Pourquoi ? )





Liens


Imprimer cet article

Retour aux articles